الجويني:" ذهب كل من يعزى إليه الجدل إلى أنه أقوى ما يثبت به العلل." (1)
والدوران يقع على وجهين:
أحدهما: أن يقع في صورة واحدة. ومثاله: الإسكار في العصير، فإن العصير قبل أن يوجد الإسكار فيه كان حلالاً، فلما حدث السكر حرم، فلما زال الإسكار وصار خلاً صار حلالاً. فدوران التحريم مع الإسكار وجوداً وعدماً.
الثاني: أن يقع في صورتين. كوجوب الزكاة في الحلي لكونه أحد النقدين، وعدم النقدية في الثياب وغيرها من العروض يعدم فيها الحكم وهو وجوب الزكاة. فصار الدوران في صورتين وهو الوجود في النقد، والعدم في غير النقد. قال الطوفي:“ لكنّ الدوران في صورة أقوى منه في صورتين، على ما هو مدرك ضرورة أو نظراً أو ظاهراً ” (2).
واختلف الأصوليون في إفادة الدوران للعلية، على أقوال:
أحدها: أنه يفيد العلية قطعاً، وهذا قال به بعض المعتزلة.
الثاني: أنه لا يفيد العلية لا قطعاً ولا ظناً. وهذا اختيار الغزالي و الآمدي وابن الحاجب وغيرهم.
واحتجوا أنه لا يفيد التعليل أصلاً لأنه يحتمل أن يكون الوصف ملازماً للعلة، أو جزءاً من أجزائها كرائحة الخمر يزول التحريم بزوالها، ويوجد بوجودها وليست بعلة. فإذا كان الدوران قد يوجد من غير أن يكون علة دل ذلك على عدم دلالته على العلية.
وقالوا أيضاً: بأن وجود الحكم عند وجود الوصف طرد محض غير مؤثر، وأما الانعكاس وهو انتفاء الحكم عن انتفاء الوصف فإنه ليس شرطاً ولا معتبر في العلل الشرعية عند جماهير الأصوليين. وعليه لا ينبغي الاعتماد على الدوران. قال الباقلاني:" لا يجوز التعلق بالطرد والعكس في محاولة إثبات العلة، فإن الطرد لا يعم في صورة الخلاف على وفاق؛ إذ لو كان يعم لما ثبت الخلاف في المحل الذي يدعي الطارد الطرد فيه، والعكس ليس شرطاً في العلة التي تجري دليلاً وعلامة." (3)
الثالث: أنه يفيد ظن العلية، بشرط عدم المزاحم. وهذا هو مذهب الجمهور. وذلك أن العلة الشرعية لا توجب الحكم بذاتها، وإنما هي إمارة، فإذا دار الوصف مع الحكم غلب على الظن كونه معرّفاً له وينزل بمنزلة الوصف المومأ إليه بأن يكون علة وإن خلا عن المناسبة. ومثل هذا: لو دُعي رجل باسم فغضب، ودُعي بغيره لم يغضب، وتكرر ذلك منه دل على أن هذا الاسم سبب الغضب.
وأما من قال أنه لا يفيد التعليل أصلاً فالجواب عن ذلك أن صلاحية الشيء للتعليل لا يلزم أن
(1) البرهان (2/ 44)
(2) شرح الكوكب المنير (4/ 192).
(3) البرهان في أصول الفقه (2/ 44).