بعض من يعيه النقل الصحيح يلجأ إلى شبه أخرى بعضها ينقض بعضاً، والواقع أشد لها نقضاً، كقولهم الفصل يؤجج الشهوة، ويلجئ إلى طلب الجنس ولو من المثل، ثم نقضه بقولهم، القضية قضية قلوب! إذا سلم القلب فلا تهتم أين كان صاحبه، والمرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال في حصن حصين من شرفها وعفتها لا تمتد إليه المطامع.
وهكذا يدخل صاحب الهوى في مغالطات يهزأ منها قارئ التاريخ، ويكذبها الواقع بإحصائياته، بل بإقرار قدوات المغالطين من رجال الغرب ونسائه.
أما الدعوى الأولى فهي ضرب من الإرهاب الفكري المقيت، يُحصر فيه الناس بين خيارين؛ إما الاختلاط ولك أن تقول: الزنا، وإما الشذوذ، سبحان الله! ألا يرى هؤلاء إلاّ الجنس المحرم، مثلهم كمثل من يقول: إما أن يأكل الناس مما لم يذكر اسم الله عليه، أو يُؤكل لحم الخنزير. عجباً! وأين ذهب الحلال الطيب؟
ولك أن تعجب أيضاً من ذلك الشرف، وتلك العفة، التي يزعم امتلاكها من يبيح الاختلاط، ويتهم من ينادي بالفصل بسوء القصد! وأتساءل هل حقاً بلغت السذاجة بأناس مبلغاً يدفعهم لتصديق هذا الدّعي؟
لا أظن أن عاقلاً يتصور أن امرأة شريفة سوف تعيش في حصن من العفاف حصين أنى وجدت، ولو في قعر بيت بغاء!
إن الشرف ليس جوهراً قائماً منفصلاً، أو متبعضاً عن غيره، وكذلك العفة ليست كائناً يمشي على الأرض، ويمسك باليد، بل هي أعرض قائمة بالنفوس، فإذا جُبْتَ الطرقات والخلوات، فلن تصادف جسماً اسمه الشرف، وإذا شققت إنساناً وفتشت بين جنباته، فلن تجد قطعة اسمها العفة، ولكن ربما وجدت قلوباً حية بيضاء، وهذه لاتزال صافية، حتى يسقط فيها ما يكدرها.
إن الصفات والأعراض قابلة للتأثر إذا لم تصن، فالخفرات الخود، إذا خرجن فأكثرن التعرض لأشعة الشمس الحارقة، مالت نحو السواد أبشارهن وقلوبهن البيضاء!
وكم رأيتَ إنساناً يتقاطر الحياء من محياه، فعاد إليك بعد أن خالط أقواماً لم يتركوا في وجهه قطرة ماء.