التعارض والتضاد، ولربما كان ذلك بسبب الاضطراب في الأهواء والآراء الباعثة على أمثال هذا التفسير.
المطلب الثالث: التحقيق في مسألة الاختلاف التفسير:
يمكننا بناء على ما تقدم أن نقول إن التحقيق في مسألة الاختلاف هو أنه واقعٌ فعلاً وأنه يؤول إلى أحد وجهين؛ أحدهما اختلاف تنوع لا تناقض فيه، والثاني اختلاف حقيقي متعارض بل ومتناقض في بعض الأحيان بحيث لا يمكن الجمع أو التوفيق بين أفراده بأي حال. كما يمكننا القول إن جملة الاختلاف المأثور عن السلف رضوان الله عليهم هو من النوع الأول كما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية (1)، في حين أن جملة الاختلاف في التفسير بين أهل الأهواء والبدع هو من النوع الثاني المتعارض المتناقض ولا عجب في ذلك بعد أن رأينا أن مرد هذا الاختلاف إلى الهوى والاجتهاد المذموم.
وإذا عرف ذلك، أصبح سهلاً علينا أن نعلن ثقتنا بأن كتاب الله عز وجل محكمٌ مترابطٌ لا ينقض بعضه بعضاً ولا يكذب بعضه بعضاً، وإدراك هذا الأمر سهلٌ يسير على من اتبع منهج التفسير الصحيح سواء أكان نقلاً أثرياً صحيحاً أم اجتهاداً عقلياً صريحاً، وصدق الله تعالى إذ يقول:" أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" (2)، وعلى هذا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام أحمد بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسٌ عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حَجرة إذ ذكروا آيةً من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول مهلاً يا قوم بهذا أُهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً بل يصدق بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم به
(1) مجموع الفتاوى - 205/ 13
(2) سورة النساء - 82