المبحث السادس: التفاضل في ورود الحوض
هل للأنبياء عليهم الصلاة و السلام أحواض في عَرَصَات الموقف وساحة الحساب كما لنبينا عليه الصلاة والسلام حوض
سبق أن ذكرنا أن العبرة في هذا الموضوع على النقل لا على العقل، فعمدتنا المنقول الثابت ولا دخل للاجتهاد ولا للمعقول. وقد ورد في ذلك حديث لكن اختلف في درجته لكن يتقوى بالقواعد المقررة في شرع الله وهي أن ما ثبت لهذه الأمة يثبت للأمم الأخرى، وعليه فالحوض في الآخرة في عَرَصَات الموقف كما يكون لنبينا عليه الصلاة والسلام يكون لسائر الأنبياء الكرام عليهم السلام، إذ لا يليق بكرم الله وحكمته أن يسقي موحدي هذه الأمة ويترك الموحدين من الأمم السابقة.
إن لكل نبي حوض كما في الحديث: روى الإمام الترمذي في سننه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إن لكل نبي حوضاً، وأنهم يتباهون (ليتباهون) أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة)) (1).
(يتباهون) أي يتحدثون بنعمة الله عليهم بمنزلة حوضهم وبمن سيرده.
(أيهم أكثر وارداً) أي جماعة يردون على حوضه.
وهذا الرجاء والذي رجاه الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث حققه الله له، فأكثر أهل الجنة من أمته، وأكثر الأحواض التي سيردها الموحدون المؤمنون هو حوض نبينا عليه الصلاة والسلام ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يقول ربنا فيه: [يا آدم قم فابعث بعث النار من كل ألف واحد إلى الجنة وتسعمائة وتسع وتسعون إلى النار، فخاف الصحابة وارتاعوا فقال صلى الله عليه وسلم: أنتم في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبروا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبروا، قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا، وقال: إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة] والحديث في الصحيحين.
وقد ثبت في المستدرك وغيره بسند صحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: [أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون صفاً منهم من هذه الأمة] ونحن مع ذلك نرجو أن يكون كل صف من هذه الأمة أضعافاً مضاعفة على سائر الصفوف الأخرى، فهي ثلثان في عدد الصفوف لكن نرجو أن تكون في عدد الأفراد أكثر بكثير، ونسبة هذه الأمة في الجنة لا تنقص عن الثلثين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: [ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، إنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة] وهذا لفظ مسلم.
فهذا الرجاء حققه الله لخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.
ومعنى الحديث أن كل نبي أعطى من الآيات ما آمن على مثله البشر، أي البشر يؤمنون بمثل هذه الآيات عندما تظهر وهي خوارق العادات (المعجزات كما أيد الله أنبياءه السابقين بمعجزة، فكل من رأى تلك المعجزة يُؤمن كما هو الحال في نبي الله عيسى عليه السلام يبرأ الأكمة والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، لكن تلك المعجزة مضت وانقضت، فالذين جاؤوا بعد ذلك لم يروها، ولذلك قد يحصل عندهم ارتياب في أمر النبي عليه صلوات الله وسلامه، أما ما يتعلق بهذه الأمة، فمعجزة نبينا عليه الصلاة والسلام هي القرآن، وهذه المعجزة يراها المتأخر كما رآها المتقدم، فأبو بكر رضي الله عنه وآخر فرد في هذه الأمة بالنسبة لرؤية معجزة النبي عليه الصلاة والسلام سواء، فجعل الله معجزة نبينا عليه الصلاة والسلام عين رسالته ودعوته وهي القرآن الكريم الذي أُمِر بتبليغه.
فالحاصل .. أنه قال: [أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً]، وفي حديث سمرة قال: [لأرجو أن أكون أكثرهم وارداً] فحقق الله له هذا الرجاء.
وأحواض الأنبياء متفاضلة، وأفضلها حوض النبي صلى الله عليه وسلم فهو أكثرهم وارداً، وقد جاء في صفته أنه مسيرة شهر, وأن زواياه سواء, وأن ماءه أبيض من اللبن, وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم الماء من شرب منه لم يظمأ أبداً (2). وماء حوض نبياً صلى الله عليه وسلم ((يشخب فيه ميزابان من الجنة)) (3) كما قال صلى الله عليه وسلم.
وقد خص صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء بالكوثر كما قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: 1]. والكوثر نهر في الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: ((بينما أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك, فإذا طيبه - أو طينه - مسك أذفر)) (4). شك من الراوي. وهذا من فضائله صلى الله عليه وسلم.
إذن فلكل نبي حوض في الآخرة في عَرَصَات الموقف كما لنبينا عليه الصلاة والسلام، لكن يمتاز حوض نبينا عليه الصلاة والسلام بأمرين:
الأمر الأول: أن ماء حوض نبينا عليه الصلاة والسلام أطيب المياه فهو من نهر الكوثر، وهذا لا يثبت لغيره من الأحواض. فالمختص بنبينا عليه الصلاة والسلام "أن حوضه يكون ماؤه من الكوثر".فماؤه أطيب المياه
الأمر الثاني: أن حوض نبينا عليه الصلاة والسلام هو أكبر الأحواض وأعظمها وأجلها، و هو أكثرها وارداً.
والمؤمنون يتفاضلون في ورود الحوض, فمنهم من يرده, ومنهم من يذاد عنه. قال صلى الله عليه وسلم: ((إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم, وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك, والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)) (5).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم)) (6).
وهذه فضيلة لأهل اليمن, وكرامة أن يدفع النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن حوضه حتى يشربوا هم ويتقدموا في الشرب (7). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص402
(1) رواه الترمذي (2443)، والطبراني (7/ 212) (6881). من حديث سمرة رضي الله عنه. قال الترمذي: غريب [روي] مرسلا وهو أصح، وقال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (5/ 292): [روي] عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً, ولم يذكر فيه عن سمرة, وهو أصح، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)).
(2) رواه البخاري (6579). من حديث ابن عمرو رضي الله عنه.
(3) رواه مسلم (2300). من أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
(4) رواه البخاري (6581). من حديث أنس رضي الله عنه.
(5) رواه البخاري (6593)، ومسلم (2293). من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.
(6) رواه البخاري (2301). من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(7) انظر ((شرح النووي لمسلم)) (15/ 62).