كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّهُ مَعْذُورٌ لِأَنَّ مَنْ نَفَاهُ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ لَا عِصْيَانَ بِتَرْكِهِ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَرَادَ أَنِّي لَا أَحْكُمُ بِعِصْيَانِهِ , فَالسَّامِعُ لَهُمَا يَحْتَاطُ بِالْفِعْلِ فَلَا يَعْصِي سَوَاءٌ كَانَ يَعْصِي عِنْدَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ لَا يَعْصِي لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ , فَلَوْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ حَقِيقٍ جَازَ التَّرْكُ , وَإِنْ كَثُرَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا يُعْلَمُ بِعَدَمِ الْعِصْيَانِ وَلَوْ احْتَاطَ إنْ لَمْ يَاتِ احْتِيَاطُهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَلَكِنَّ النَّظَرَ بِحَسْبِ الظَّاهِرِ لَهُ مِنْ الْخِلَافِ الْوَاصِلِ إلَيْهِ , وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْمَعَ بِسُؤَالٍ أَوْ بِدُونِ أَنْ يَسْأَلَ أَوْ يَرَى فِي الْكِتَابِ , وَلَوْ قَالَ الْآخَرُ: لَا عِصْيَانَ بِتَرْكِهِ عِنْدَ اللَّهِ , فَلِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَتْرُكَهُ , وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ مَا يَشْمَلُ التَّرْكَ أَيْضًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: لَا تَتْرُكْ , وَيَقُولُ الْآخَرُ: اُتْرُكْ , فَإِنَّهُ يُعْذَرُ , وَإِنْ قَالَا كِلَاهُمَا: اُتْرُكْ لَكِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا بِالْعِصْيَانِ إنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَمْ يَقُلْ الْآخَرُ بِهِ فَلَا يُعْذَرُ فِي هَذَا الْقَوْلِ إلَّا بِمُوَافَقَةِ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ , فَلَوْ أَمَرَهُ أَحَدُهُمَا بِصَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ وَنَهَاهُ الْآخَرُ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ بِمَا أَرَادَ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى صَوْمِهِ وَاخْتَلَفَا فِي الْعِصْيَانِ بِتَرْكِهِ فَلْيَصُمْهُ حَتْمًا لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ.
(وَرَخَّصَ) رَخَّصَ الشَّرْعُ (فِي أَنَّهُ مَعْذُورٌ) إنْ تَرَكَ (مَا لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى عِصْيَانِهِ لِمَا قَالُوا) " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ , أَيْ لِقَوْلِهِمْ: (اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ) لِلْمُقَلِّدِينَ , وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ صَاحِبِ الْأَصْلِ - رحمه الله - فِي الْمُجْتَهِدِينَ أَيْضًا إذَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ وَلَوْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْ الِاجْتِهَادِ , وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ , وَهُوَ أَيْضًا رَحْمَةٌ لَهُمْ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَوْ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ , (وَقِيلَ: رَاحَةٌ) , وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا بَلْ رِوَايَةَ بَعْضٍ , رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ﴾ وَبَعْضٌ رَوَى: ﴿اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَاحَةٌ﴾ , وَمَعْنَى كَوْنِهِ رَحْمَةً أَنَّهُ إنْعَامٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْسِعَةِ , إذْ يَصْعُبُ قَوْلٌ وَيُعْمَلُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَيُعْذَرُ وَيُثَابُ , وَلَا تَقُومُ فِتْنَةٌ عَلَى ذَلِكَ , وَمَعْنَى كَوْنِهِ رَاحَةً أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ , وَمَا أَبَاحَ لِلْعُلَمَاءِ الِاجْتِهَادَ وَتَعَبُّدَهُمْ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَدْرِي الْمُحِقَّ عِنْدَ اللَّهِ مِنْهُمْ عَلَى الْيَقِينِ إلَّا بِالْوَحْيِ وَقَدْ انْقَطَعَ الْوَحْيُ إلَّا لِكَوْنِهِ أَسَاغَ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَلِمَنْ قَلَّدَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَيُعَدُّ ذَلِكَ عِبَادَةً قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - رحمه الله -: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ اخْتِلَافَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً , قَالَ صلى الله عليه وسلم: ﴿اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ﴾ جَعَلَ سَبِيلَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ سَبِيلَهُ وَجَعَلَهُ وَسِيلَةً إلَيْهِ وَسَعْيًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَرِفْقًا بِهَا , فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ عَلَى سَبِيلِهِمْ وَلَوْ صَادَفَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِهِ فَوَاسِعٌ لَهُ , فَمَنْ أَصَابَ بَابَ الْجَنَّةِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ عَرَفَ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ , فَمَنْ صَادَقَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ مِنْهُمْ , وَقِيلَ: لَا يَسَعُ التَّقَدُّمُ بِلَا مَعْرِفَةٍ , وَكَذَا فِي الْمُبَاحِ وَلَا إثْمَ بِعَمَلِ قَوْلٍ مُخَالِفٍ فِيمَا لَا قَطْعَ عُذْرٍ فِيهِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ وَالْفَرْقُ فِي الْفَضْلِ فِيمَا بَانَ بِهِ أَهْلُ الدَّعْوَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ , ا هـ , وَكَذَا فِي الْفُرُوعِ لَا فِي الدِّيَانَاتِ.
فَفِي التَّاجِ ": اخْتِلَافُهُمْ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ وَفِي الْأُصُولِ نِقْمَةٌ , وَعِبَارَةُ بَعْضِ قَوْمِنَا: مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا لَقِيَ اللَّهَ سَالِمًا , وَالْمُرَادُ بِالْعُلَمَاءِ عُلَمَاءُ الْمُوَحِّدِينَ , وَبِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ إلَى كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ , وَصَحَّ تَوْحِيدُهُ بِحَسْبِ الظَّاهِرِ وَلَوْ اخْتَلَّ فِي الْمَعْنَى لِشُبْهَةِ تَاوِيلٍ كَادِّعَاءِ الرُّؤْيَةِ وَالْوَقْفِ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِوَاءِ , وَلَا يَدْخُلُ مَنْ طَعَنَ فِيمَنْ اتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى إصَابَتِهِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ , وَكَذَا لَا يَدْخُلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا إلَهً أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ , وَأَمَّا تَخْطِئَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَنَحْوِهِمْ فَقَدْ كَانَ التَّنَازُعُ فِيهَا مِنْ زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , هَذَا فِي مَسْأَلَةِ اتِّبَاعِ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا الْأُمَّةُ مُطْلَقًا فَقَالَ فِي السُّؤَالَاتِ " عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رضي الله عنه: اخْتَلَفُوا فِي الْأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ , قَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَهُوَ أُمَّتُهُ , وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾. وَقِيلَ: أُمَّتُهُ مَنْ آمَنَ بِهِ , وَقَالَ عليه السلام: {خَيْرُ أُمَّتِي النَّمَطُ الْأَوْسَطُ , إلَيْهِمْ يَرْجِعُ الْعَالِي وَبِهِمْ يَلْحَقُ