تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ , وَحُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمَا قَبْلَ ظُهُورِهِمَا وَأَمَّا فِي الْفُرُوعِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْبَاقِلَّانِيّ: حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ , وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ سُرَيْجٍ: هُنَاكَ لَمْ يَحْكُمْ اللَّهُ فِيهَا , وَلَكِنْ لَوْ حَكَمَ لَحَكَمَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ , فَمَنْ لَمْ يُصَادِفْ ذَلِكَ الشَّيْءَ عِنْدَ اللَّهِ فَقَدْ أَصَابَ اجْتِهَادًا لَا حُكْمًا وَابْتِدَاءً لَا انْتِهَاءً فَهُوَ مُخْطِئٌ حُكْمًا وَانْتِهَاءً , وَالصَّحِيحُ وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا وَاحِدٌ يُصَادِفُ مَا عِنْدَ اللَّهِ , وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِإِصَابَتِهِ وَإِنَّ مُخْطِئَهُ لَا يَاثَمُ لِغُمُوضِهِ بَلْ يُؤْجَرُ بِبَذْلِهِ وَسْعَهُ. وَقِيلَ: يَاثَمُ لِعَدَمِ إصَابَتِهِ , وَقِيلَ: لَمْ يُكَلَّفْ بِإِصَابَتِهِ , وَعَنْ بِشْرِ الْمَرِيسِي وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ أَنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَأَنَّ الْمُخْطِئَ آثِمٌ وَأَمَّا جُزْئِيَّةٌ فِيهَا قَاطِعٌ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَاخْتُلِفَ فِيهَا لِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ , فَالْمُصِيبُ فِيهَا مَنْ وَافَقَ ذَلِكَ الْقَاطِعَ إجْمَاعًا , وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا لَا قَاطِعَ فِيهِ , وَهُوَ قَوْلٌ بَعِيدٌ , وَلَا يَاثَمُ الْمُخْطِئُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ , ا هـ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَاثَمُ , قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: وَلِهَذِهِ الْفِقْهِيَّاتِ أَرْبَعَةُ أَسَامٍ اثْنَانِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِمَا وَهُمَا الْحُكْمُ وَالْعِلْمُ , قُلْتُ: وَكَذَا مَا رَادَفَهُمَا أَوْ أَشْبَهَهُمَا أَوْ كَانَ أَخُصَّ كَالْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ وَالْإِدْرَاكِ , قَالَ: سَائِغَانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ جَمِيعًا أَمْ لَا؟ وَهُمَا الْحَقُّ وَالصَّوَابُ وَالْبَاطِلُ وَالْخَطَأُ ; قُلْتُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , قَالَ: فَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفَةِ يُسَوَّغُ عَلَيْهَا الْعِلْمُ وَالْحُكْمُ , وَلَا يُسَوَّغُ عَلَيْهَا أَضْدَادُهُمَا كَالسَّفَهِ وَالْجَهْلِ لقوله تعالى ﴿وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ﴾ الْآيَةَ. فَأَثْبَتَ لَهُمَا الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ الْفَهْمَ الْمُرَافِقَ لِمَا عِنْدَهُ لِسُلَيْمَانَ وَلَمْ يَنْسِبْ الضَّلَالَ إلَى دَاوُد قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَخْلُفَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ الْحَقَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ: وَأَمَّا الصَّوَابُ وَالْخَطَأُ فَجُلُّ الْفُقَهَاءِ قَدْ أَطْلَقُوهُمَا عَلَى الْمُخْتَلِفَيْنِ , فَإِنْ سَاغَ الصَّوَابُ فِي أَحَدِهِمَا سَاغَ الْخَطَأُ فِي خِلَافِهِ بِدَلِيلِ إشَارَةِ الْقُرْآنِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ , وَالْخَطَأُ فِي خِلَافِهِ مَعَ دَاوُد وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَةُ إنْ كَانَا مُصِيبَيْنِ مَعًا , وَشَوَاذُّ الْعُلَمَاءِ قَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الْأَرْبَعَةَ تَسُوغُ عَلَى الْمُخْتَلِفِينَ جَمِيعًا وَلَا يَسُوغُ أَضْدَادُهَا مِنْ السَّفَهِ وَالْجَهْلِ وَالْبَاطِلِ وَالْخَطَأِ , وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , وَتَرْقَى بِالتَّصْوِيبِ إلَى أَحْكَامِ الْفِتْنَةِ وَالْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا بِشَرْطِ الِاجْتِهَادِ , وَقَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ , وَهَذَا يُؤْثَرُ عَنْهُ فِي أَهْلِ الدَّارِ عُثْمَانُ وَذَوِيهِ وَأَهْلِ الْجَمَلِ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا , وَفِي أَهْلِ صِفِّينَ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لَكِنَّهُ لَهُ مَقْصَدٌ , فِي مُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو أَنَّهُمَا غَشَمَا الْأَمْرَ غَشْمًا وَلَمْ يَجْهَلَاهُ. وَقَالَ فِي أَهْلِ النَّهْرَوَانُ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ ظُهُورَهُ فِي أَهْلِ النَّهْرَوَانُ , وَذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ أَرَادُوا أَنْ يَعْرِفُوا مَا حَالَ أَهْلِ النَّهْرَوَانُ عِنْدَ عَلِيٍّ فَقَامَ رَجُلٌ يُنَادِي فِي الْعَسْكَرِ: مَنْ رَأَى لِي الْبَغْلَةَ الشَّهْبَاءَ يَوْمَ قَتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ؟ فَنَادَاهُ عَلِيٌّ فَقَالَ لَهُ: لَا تَقُلْ كَذَلِكَ إنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ لَكِنَّهُمْ مِنْ الشِّرْكِ فَرُّوا , فَقَالَ: فَمُنَافِقُونَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ: لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا وَهَؤُلَاءِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا , ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: فَمَنْ هُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا , وَتَرَحَّمَ عَلِيٌّ عَلَى طَلْحَةَ وَشَهِدَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنَّةِ وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ﴾ , وَيَقُولُ فِي عُثْمَانَ حِينَ شَكَّ أَصْحَابُهُ فِي عُثْمَانَ وَعَاتَبُوهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: إنَّ اللَّهَ قَتَلَهُ وَأَنَا مَعَهُ , وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لَكِنَّهُ فِي الْفُرُوعِ , وَقَالَ فِي الْأُصُولِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ﴾. وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرُ اجْتِهَادِهِ , وَإِنْ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ اجْتِهَادِهِ وَأَجْرُ إصَابَتِهِ الْحَقَّ﴾ فَإِنَّ هَذَا مَقْصُورٌ عَلَى الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ لَا عَلَى الْحَقِّ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٤٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٤٠٨