مُخَالِفِنَا خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْفُرُوعِ وَاحِدٌ وَغَيْرُهُ مُخْطِئٌ مَاجُورٌ. فَهَلْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمِثْلِ ذَلِكَ وَهَلْ مَنْعُهُمْ الِاقْتِدَاءَ بِالْمُخَالِفِ حَيْثُ ارْتَكَبَ مُبْطِلًا مُقْتَضٍ لِذَلِكَ وَهَلْ يَسُوغُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ مُخَالِفِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُفْتِيَ الْحَنَفِيُّ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ وَلَا بِالْوَجْهِ الضَّعِيفِ الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَيُقَالُ إنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ لِلْمُسْتَفْتِي الْمُخَالِفِ بِنَحْوِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الرِّوَايَةِ وَحِكَايَةِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ لَا الْإِفْتَاءِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى الِاعْتِقَادِ تَفَضَّلُوا بِبَيَانِ ذَلِكَ وَبَسْطِ الْكَلَامِ وَنَقْلِ مَا لَهُمْ فِيهِ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا فَإِنَّ الْمَقَامَ قَدْ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ حَتَّى تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِخَطَإِ الْمُخَالِفِ وَاعْتِقَادَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ مُنَافٍ لِكَوْنِهِ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمَا يُفْهِمُ ذَلِكَ لَا بِقَيْدِ الْوُجُوبِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَفِي الْعِدَّةِ لِابْنِ الصَّبَّاغِ كَانَ أَبُو إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ يَقُولَانِ إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رضي الله تعالى عنه وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُصِيبٌ وَإِنَّمَا يَظُنُّ ذَلِكَ. ا هـ. وَإِذَا كَانَ الْمُجْتَهِدَ لَا يَعْلَمُ الْإِصَابَةَ وَإِنَّمَا يَظُنُّهَا فَمُقَلِّدُهُ أَوْلَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّنَّ يُقَابِلُهُ الْوَهْمُ وَهُوَ احْتِمَالُ الْخَطَإِ فَنَتَجَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَظُنُّ إصَابَتَهُ وَيَجُوزُ خَطَؤُهُ وَأَنَّ مُقَلِّدَهُ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ عَنْ النَّسَفِيِّ. وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ أَيْضًا مُرَاعَاةُ الشَّافِعِيِّ رضي الله تعالى عنه وَأَصْحَابِهِ خِلَافَ الْخُصُومِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَذَلِكَ تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَظُنُّونَ إصَابَةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ إمَامُهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَقْطَعُونَ بِخَطَإِ مُخَالِفِيهِ وَإِلَّا لَمْ يُرَاعُوا خِلَافَهُمْ فَلَمَّا رَاعَوْهُ عُلِمَ أَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ إصَابَتَهُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ إمَامُهُمْ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الزَّرْكَشِيّ قَدْ رَاعَى الشَّافِعِيُّ رضي الله تعالى عنه وَأَصْحَابُهُ خِلَافَ الْخَصْمِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وَهَذَا إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مُدَّعِيَ الْإِصَابَةِ لَا يَقْطَعُ بِخَطَإِ مُخَالِفِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمَّا كَانَ يُجَوِّزُ خِلَافَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَنَظَرَ فِي مُتَمَسَّكِ خَصْمِهِ فَرَأَى لَهُ مَوْقِعًا رَاعَاهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَأَكْثَرُهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ وَالْوَرَعِ وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ النَّظَرِ وَالْأَخْذِ بِالْحَزْمِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَلِذَلِكَ رَاعَى مَالِكٌ رضي الله تعالى عنه الْخِلَافَ قَالَ وَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُرَاعِي صُورَةَ الْخِلَافِ وَهُوَ جَهْلٌ أَوْ عَدَمُ إنْصَافٍ وَكَيْفَ هَذَا وَهُوَ لَمْ يُرَاعِ كُلَّ خِلَافٍ وَإِنَّمَا رَاعَى خِلَافًا لِشِدَّةِ قُوَّتِهِ
وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي النَّقْضِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وَمَنْشَأُ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ الْمُخَالِفَ هَلْ خَالَفَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا لَا يُؤَوَّلُ أَمْ لَا وَالْأَصَحُّ فِي أَكْثَرِهِمْ أَنَّهُ لَا نَقْضَ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَمْ يُخَالِفْ إلَّا بِحُجَّةٍ مُتَمَاسِكَةٍ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ مَنْ صَوَّبَ الْمُجْتَهِدِينَ شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ يَنْقُضُ الْحُكْمَ الْمُسْتَنِدَ إلَيْهِ قَالَ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ شُرْبُ النَّبِيذِ لِلْحَنَفِيِّ مُبَاحًا وَإِنْ بِتَصْوِيبِهِمْ. ا هـ. فَإِذَا اسْتَثْنَى الشَّيْخُ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فَمَا بَالُك بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ كَلَامِ الْقَاضِي قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفَوِّضَ الْقَضَاءَ لِحَنَفِيٍّ فِي مَسْأَلَةٍ يَعْتَقِدُ الْمُفَوِّضُ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ قَالَ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمَ فِيهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَيُوَافِقُ الشَّافِعِيَّ فَلَا يَكُونُ الْمُفَوِّضُ مُعِينًا عَلَى مَا يَعْتَقِدُ مَنْعَهُ. ا هـ. وَوَجْهُ دَلَالَةِ هَذَا عَلَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَصْرِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُوَلِّي الْحَنَفِيَّ وَغَيْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَهِدِينَ وَلَا اُحْتُمِلَ تَغَيُّرُهُمْ عَنْ مَذْهَبِهِمْ فِي مَسَائِلَ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ لَا يَرَاهَا الْمُوَلِّي بَلْ كَثِيرًا مَا يُوَلُّونَ الْمُخَالِفَ فِي مَسْأَلَةٍ خَاصَّةٍ لِيَحْكُمَ بِهَا عَلَى مَذْهَبِهِ فَوُقُوعُ الْإِجْمَاعِ الْفِعْلِيِّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مُنْذُ مِئَاتٍ مِنْ السِّنِينَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَأَنَّهُ لَا إعَانَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَلْبَتَّةَ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ