تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حُكْمُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَوْ تَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَقَعْ إلَى الْآنَ , فَكَيْفَ يُحْكَمُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ؟ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُتَحَقِّقٍ فَمَا هَذَا مِنْهُ إلَّا فَتْوَى , وَتَسْمِيَتُهُ حُكْمًا جَهْلٌ أَوْ تَجَوُّزٌ يَعْنِي بِهِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الشَّرْعِ عِنْدَهُ لَا أَنَّهُ بَتَّهُ وَأَلْزَمَ بِهِ , وَكَيْفَ يُلْزِمُ بِمَا لَمْ يَقَعْ؟ وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَاتِ بِصِيغَةِ عُمُومٍ وَهُوَ الْمُوجَبُ بَلْ حَكَمَ بِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْخَاصَّةِ فَقَالَ: حَكَمْتُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَعُدَّ سَفَهًا وَجَهْلًا , وَكَيْفَ يَحْكُمُ الْإِنْسَانُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ؟ فَيَقُولُ: حَكَمْتُ بِصِحَّةِ بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ لَوْ وَقَعَ بِشُرُوطِهِ وَبِصِحَّةِ نِكَاحِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَوْ وَقَعَ بِشُرُوطِهِ , بِخِلَافِ قَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْمُدَبَّرِ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ: حَكَمْتُ بِمَنْعِ بَيْعِهِ , فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِهِ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ وَوَقْتِهِ فَنَفَذَ فَافْهَمْ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ مُهِمٌّ حَسَنٌ وَوَقَعَ بِسَبَبِ عَدَمِ تَدَبُّرِهِ خَبْطٌ فِي الْأَحْكَامِ. وَتَوْجِيهُ الْحَنَفِيِّ أَوْ الْمَالِكِيِّ حُكْمَهُ إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الَّتِي يَتَزَوَّجُ بِهَا , وَحُكْمُهُ بِمَنْعِ التَّزْوِيجِ بِهَا أَفْسَدُ مِنْهُ , فَإِنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ بِلَا تَوَقُّفٍ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بَعْدَ صُدُورِ النِّكَاحِ , وَلَا يَدْرِي , هَلْ يَقَعُ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الْحُكْمِ إلَى مَنْعِ النِّكَاحِ كَمَا وَجَّهَ الْحَنَفِيُّ حُكْمَهُ إلَى مَنْعِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ , وَلَا إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي عِصْمَةٍ لَا يَدْرِي , هَلْ تَقَعُ فِي نَفْسِ الْوُجُودِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ نَفْسَ الطَّلَاقِ لَمْ يَقَعْ قَبْلَ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا وَقَعَ تَعْلِيقُهُ , وَالتَّعْلِيقُ غَيْرُ مُوقِعٍ فِي الْحَالِ , فَكَيْفَ يُحْكَمُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ بِشَيْءٍ لَمْ يَقَعْ , هَذَا وَاضِحٌ لِصَاحِبِ الْأَلْمَعِيَّةِ الْخَالِي عَنْ الْعَصَبِيَّةِ ا هـ. وَلِمَا ذَكَرَهُ فِي خُصُوصِ هَذَا الْمِثَالِ وَجْهٌ كَمَا مَرَّ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِطْلَاقُهُ إلْغَاءَ هَذَا الْحُكْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ , بَلْ يَتَعَيَّنُ فِي هَذَا الْمِثَالِ وَأَشْبَاهِهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِهِ , فَإِنْ كَانَ يَقُولُ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ: لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ وَقْتِ الْمَحْكُومِ بِهِ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْوَلِيُّ , وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ مَا قَالَهُ الْوَلِيُّ مِنْ بُطْلَانِ حُكْمِ الْمُخَالِفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , فَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَشْبَاهِهَا إنَاطَةُ الْحُكْمِ فِيهَا بِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ فَحَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ الْمِلْكِ صَحِيحًا فِي مَذْهَبِهِ , لَزِمَ كُلَّ أَحَدٍ تَنْفِيذُ حُكْمِهِ , وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ مُخَالِفٍ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ رَايِهِ , بَلْ وَلَا مِنْ قِبَلِ رَايِ مُقَلَّدِهِ بِأَنَّهُ فَاسِدٌ وَلَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِفْتَاءِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ اجْتِهَادِهِ أَوْ اجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ , وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُخَالِفِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ حَيْثُ وَقَعَ صَحِيحًا عَلَى مَذْهَبِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ نَصًّا صَرِيحًا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا جَلِيًّا وَلَا الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ وَلَا مُعْتَمَدَ مَذْهَبِهِ , حَيْثُ كَانَ مُقَلِّدًا اُعْتُدَّ بِذَلِكَ الْحُكْمِ , وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ وَلَا الطَّعْنُ فِيهِ , وَبِهَذَا يَزْدَادُ تَعَجُّبُكَ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْوَلِيُّ إنْ كَانَ الْحَاكِمُ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَأَنَّهُ حُكْمٌ حَقِيقَةً لَا إفْتَاءٌ , وَكَانَ أَقَلُّ مَا عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِ الْحَاكِمِ بِهِ , فَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ حُكْمٌ صَحِيحٌ حَقِيقِيٌّ أَرَاحَ نَفْسَهُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ , وَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ مُجَرَّدُ إفْتَاءٍ نَقَلَ عَنْهُمْ ذَلِكَ وَلَمْ يُشَنِّعْ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي كَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا تُذْكَرَ , وَإِذَا اقْتَضَى اجْتِهَادُ مُقَلَّدِهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ وَأَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بَعْدَ التَّزَوُّجِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ , وَلَا طَلَاقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ , فَكَيْفَ يَسْلَمُ لَهُمْ هَذَا وَيُعْتَرَضُ حُكْمَهُمْ بِهِ , بَلْ كَمَا يَسْلَمُ لَهُمْ الْأَصْلُ يَسْلَمُ لَهُمْ الْحُكْمُ بِهِ , وَمِنْ الْوَاضِحِ الْمَعْلُومِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ مَحْمُولٌ عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ , وَإِنْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ , وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ بِمِصْرَ مِنْ قَرِيبٍ وَأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ احْتَجُّوا بِمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ صَحِيحٌ عَلَى قَوَاعِدِنَا , فَكَيْفَ يَسُوغُ أَنْ تَطْعَنُوا فِيهِ؟ وَأَنَّ مُحَقِّقِي الشَّافِعِيَّةِ وَافَقُوهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّعَرُّضُ لِحُكْمِ الْمَالِكِيِّ الْمُوَافِقِ لِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَغَيْرِهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْمُخَالِفِ حَيْثُ وَقَعَ عِنْدَهُ صَحِيحًا شَامِلًا لِمَا دَخَلَ وَقْتُهُ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ مِنْ الْآثَارِ لَمْ يَجُزْ لِمُخَالِفٍ التَّعَرُّضُ لِشَيْءِ مِنْ آثَارِهِ مُطْلَقًا بِنَقْضِهِ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٣١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٣١٨