تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَاحِدًا , لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَلْبَتَّةَ , وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَامٌّ مُجْمَلٌ قَدْ خَصَّ مِنْهُ عَصْرُ يَوْمِهِ بِالْإِجْمَاعِ , وَخَصَّ مِنْهُ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ وَالْمَنْسِيَّةِ بِالنَّصِّ , وَخَصَّ مِنْهُ ذَوَاتَ الْأَسْبَابِ بِالسُّنَّةِ كَمَا قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ , وَأَقَرَّ مَنْ قَضَى سُنَّةَ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ , وَقَدْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا سُنَّةُ الْفَجْرِ , وَأَمَرَ مَنْ صَلَّى فِي رَحْلِهِ ثُمَّ جَاءَ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ وَتَكُونُ لَهُ نَافِلَةً , وَقَالَهُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ , وَهِيَ سَبَبُ الْحَدِيثِ , وَأَمَرَ الدَّاخِلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ. [فَرْقٌ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ] وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَمْرَ بِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَقَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِيهَا أَمْرٌ بِإِتْمَامٍ لَا بِابْتِدَاءٍ , وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نَهْيٌ عَنْ ابْتِدَائِهَا لَا عَنْ اسْتِدَامَتِهَا ; فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: " لَا تُتِمُّوا الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ , وَإِنَّمَا قَالَ: لَا تُصَلُّوا ". وَأَيْنَ أَحْكَامُ الِابْتِدَاءِ مِنْ الدَّوَامِ وَقَدْ فَرَّقَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ بَيْنَهُمَا؟ فَلَا تُؤْخَذُ أَحْكَامُ الدَّوَامِ مِنْ أَحْكَامِ الِابْتِدَاءِ وَلَا أَحْكَامُ الِابْتِدَاءِ مِنْ أَحْكَامِ الدَّوَامِ فِي عَامَّةِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ ; فَالْإِحْرَامُ يُنَافِي ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَالطِّيبِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِمَا , وَالنِّكَاحُ يُنَافِي قِيَامَ الْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ دُونَ اسْتِدَامَتِهَا , وَالْحَدَثُ يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ , وَزَوَالُ خَوْفِ الْعَنَتِ يُنَافِي ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ عَلَى الْأَمَةِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَالزِّنَا مِنْ الْمَرْأَةِ يُنَافِي ابْتِدَاءَ عَقْدِ النِّكَاحِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ , وَالذُّهُولُ عَنْ نِيَّةِ الْعِبَادَةِ يُنَافِي ابْتِدَاءَهَا دُونَ اسْتِدَامَتِهَا , وَفَقْدُ الْكَفَاءَةِ يُنَافِي لُزُومَ النِّكَاحِ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الدَّوَامِ , وَحُصُولُ الْغِنَى يُنَافِي جَوَازَ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ ابْتِدَاءً وَلَا يُنَافِيهِ دَوَامًا. وَحُصُولُ الْحَجْرِ بِالسَّفَهِ وَالْجُنُونِ يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَلَا يُنَافِي دَوَامَهُ , وَطَرَيَانُ مَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ مِنْ الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهَا عَلَى الدَّوَامِ وَيَمْنَعُهُ فِي الِابْتِدَاءِ , وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ ابْتِدَاءً لَا دَوَامًا , وَالْقُدْرَةُ عَلَى هَدْيِ التَّمَتُّعِ تَمْنَعُ الِانْتِقَالَ إلَى الصَّوْمِ ابْتِدَاءً لَا دَوَامًا , وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ ابْتِدَاءُ التَّيَمُّمِ اتِّفَاقًا , وَفِي مَنْعِهِ لِاسْتِدَامَةِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَلَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا , وَلَوْ غَصَبَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ مَنْ لَا يَقْدِرُ الْمُسْتَاجِرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا مِنْهُ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ وَخُيِّرَ الْمُسْتَاجِرُ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَإِمْضَائِهِ , وَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ ابْتِدَاءِ إحْدَاثِ كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِدَامَتِهَا , وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَطَيَّبُ أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ ابْتَدَأَهُ حَنِثَ , وَأَضْعَافُ أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ ; فَيُحْتَاجُ فِي ابْتِدَائِهَا إلَى مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي دَوَامِهَا , وَذَلِكَ لِقُوَّةِ الدَّوَامِ وَثُبُوتِهِ وَاسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ , وَأَيْضًا فَهُوَ مُسْتَصْحَبٌ بِالْأَصْلِ , وَأَيْضًا فَالدَّافِعُ أَسْهَلُ مِنْ الرَّافِعِ , وَأَيْضًا فَأَحْكَامُ التَّبَعِ يَثْبُتُ فِيهَا مَا لَا يَثْبُتُ فِي الْمَتْبُوعَاتِ , وَالْمُسْتَدَامُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ الثَّابِتِ ; فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ لَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي صِحَّةَ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ , فَكَيْفَ وَقَدْ تَوَارَدَ عَلَيْهِ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ؟ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَارَضْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَامٌّ وَخَاصٌّ وَلَا نَصٌّ وَقِيَاسٌ , بَلْ النَّصُّ فِيهَا وَالْقِيَاسُ مُتَّفِقَانِ , وَالنَّصُّ الْعَامُّ لَا يَتَنَاوَلُ مَوْرِدَ الْخَاصِّ وَلَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ لَفْظِهِ , وَلَوْ قَدَّرَ صَلَاحِيَّةَ لَفْظِهِ لَهُ فَالْخَاصُّ بَيَانٌ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ , فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ حُكْمِهِ وَإِبْطَالُهُ , بَلْ يَتَعَيَّنُ إعْمَالُهُ وَاعْتِبَارُهُ , وَلَا تُضْرَبُ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْضُهَا بِبَعْضٍ , وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَوْلَى مِنْ الْقَاعِدَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إبْطَالَ إحْدَى السُّنَّتَيْنِ وَإِلْغَاءَ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ , وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ثُمَّ نَقُولُ: الصُّورَةُ الَّتِي أَبْطَلْتُمْ فِيهَا الصَّلَاةَ - وَهِيَ حَالَةُ طُلُوعِ الشَّمْسِ - وَخَالَفْتُمْ السُّنَّةَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ الصُّورَةِ الَّتِي وَافَقْتُمْ فِيهَا السُّنَّةَ ; فَإِنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ الْعَصْرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَدْ ابْتَدَأَهَا فِي وَقْتِ نَهْيٍ , وَهُوَ وَقْتٌ نَاقِصٌ , بَلْ هُوَ أَوْلَى الْأَوْقَاتِ بِالنُّقْصَانِ , كَمَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقْتَ صَلَاةِ الْمُنَافِقِينَ حِينَ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٢٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٢٣٧