بَرْصَاءَ مِنْ قَرْنِهَا إلَى قَدَمِهَا مَجْذُومَةً عَمْيَاءَ مَقْطُوعَةَ الْأَطْرَافِ فَلَا خِيَارَ لَهُ , وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَتْ هِيَ الزَّوْجَ كَذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهَا , وَإِنْ خَرَجَ الزَّوْجُ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ وَأَغْنَاهُمْ وَأَجْمَلِهِمْ وَأَعْلَمِهِمْ وَلَيْسَ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ وَلِلزَّوْجَةِ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ فَلَهَا الْفَسْخُ بِذَلِكَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: يَصِحُّ نِكَاحُ الشِّغَارِ , وَيَجِبُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ , وَقَدْ صَحَّ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ وَتَحْرِيمُهُ إيَّاهُ , وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: يَصِحُّ نِكَاحُ التَّحْلِيلِ , وَقَدْ صَحَّ لَعْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ فَعَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ , وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِمُضْطَرٍّ خَائِفِ الْعَنَتِ عَادِمِ الطَّوْلِ إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَلَوْ كَانَتْ عَجُوزًا شَوْهَاءَ لَا تُعِفُّهُ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ , وَقَدْ مَنَعَ مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم , وَتَحْرِيمُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ وَقَدْ بَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: لِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى غَرْزِهَا فِي حَائِطِهِ وَقَدْ نَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ مَنْعِهِ , وَتَسْلِيطُهُمْ إيَّاهُ عَلَى انْتِزَاعِ دَارِهِ كُلِّهَا مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْحُدُودِ وَتَصْرِيفِ الطُّرُقِ وَقَدْ أَبْطَلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: لَا يُحْكَمُ بِالْقَسَامَةِ لِأَنَّهَا خِلَافُ الْأُصُولِ , ثُمَّ قَالُوا: يَحْلِفُ الَّذِينَ وَجَدُوا الْقَتِيلَ فِي مَحَلَّتِهِمْ وَدَارِهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ , فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ , كَيْفَ كَانَ هَذَا وَفْقَ الْأُصُولِ وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خِلَافَ الْأُصُولِ؟ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى: أَنَا أَرْضَعْتُك وَزَوْجَتَك , أَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَذِهِ أُخْتُك مِنْ الرَّضَاعَةِ , جَازَ لَهُ تَكْذِيبُهَا وَوَطْءُ الزَّوْجَةِ , مَعَ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْوَاقِعَةُ الَّتِي ﴿أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ بِفِرَاقِ امْرَأَتِهِ لِأَجْلِ قَوْلِ الْأَمَةِ السَّوْدَاءِ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا﴾. وَلَوْ اشْتَرَى طَعَامًا أَوْ مَاءً فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَذَا ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ أَوْ نَجِسٍ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ , مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّعَامِ وَالْمَاءِ الْحِلُّ , وَالْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ , ثُمَّ قَالُوا: لَوْ قَالَ الْمُخْبِرُ: " هَذَا الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لِفُلَانٍ سَرَقَهُ أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ فُلَانٌ " وَسِعَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُمْ: لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ وَخَيَّرَتَاهُ فَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا كَانَتْ هِيَ الْمُخْتَارَةُ , وَاَلَّتِي أَمْسَكَهَا هِيَ الْمُفَارَقَةُ , قَالُوا: لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي زَوْجَةٍ , وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ تَخَلَّصُوا مِنْ هَذَا بِأَنَّهُ إنْ عَقَدَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا وَاسْتَانَفَ نِكَاحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا , وَإِنْ تَزَوَّجَ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَنِكَاحُ الْأُولَى هُوَ الصَّحِيحُ , وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ فَاسِدٌ. وَلَكِنْ لَزِمَهُمْ نَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ إذَا تَزَوَّجَ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ , فَلَوْ قَالَ لَهُ: " طَلِّقْهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا " كَانَ ذَلِكَ إجَازَةً مِنْهُ لِلنِّكَاحِ , فَلَوْ قَالَ لَهُ: " طَلِّقْهَا " وَلَمْ يَقُلْ: " رَجْعِيًّا " لَمْ يَكُنْ إجَازَةً لِلنِّكَاحِ مَعَ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذَا النِّكَاحِ لَا يَكُونُ رَجْعِيًّا إلَّا بَعْدَ الْإِجَازَةِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ , وَأَمَّا قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَالدُّخُولِ فَلَا يَنْقَسِمُ إلَى بَائِنٍ وَرَجْعِيٍّ.
[مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ] الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ , بِكَوْنِهَا خِلَافَ الْأُصُولِ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ , قَالُوا: وَالْعَامُّ عِنْدَنَا يُعَارِضُ الْخَاصَّ ; فَقَدْ تَعَارَضَ حَاظِرٌ وَمُبِيحٌ , فَقَدَّمْنَا الْحَاظِرَ احْتِيَاطًا ; فَإِنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ , وَحَدِيثُ الْإِتْمَامِ يَجُوزُ لَهُ الْمُضِيُّ فِيهَا , وَإِذَا تَعَارَضَا صِرْنَا إلَى النَّصِّ الَّذِي يُوجِبُ الْإِعَادَةَ لِتُتَيَقَّنَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ , فَيُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ , وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ﴾ حَدِيثٌ وَاحِدٌ , قَالَهُ صلى الله عليه وسلم فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ , وَقَدْ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِي شَطْرِهِ ; فَتَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الشَّطْرِ الْآخَرِ , وَهُوَ مُحْكَمٌ خَاصٌّ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا