تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَدْ نُسِخَ بِهِ مَا قَبْلَهُ , وَالْأَمْرُ الرَّابِعُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ وَلَا مَعْقُولٍ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ هَهُنَا أَمْرٌ رَابِعٌ مَعْقُولٌ , وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَوَّلِ ; فَإِنَّهُ نُسِخَ بِالزِّيَادَةِ , وَهَذَا غَيْرُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاقْتِصَارِ غَيْرَ عَدَمِ وُجُوبِ غَيْرِهِ , وَكَوْنِهِ جَمِيعَ الْوَاجِبِ , وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ بِعَيْنِهِ غَيَّرْتُمْ التَّعْبِيرَ عَنْهُ وَكَسَوْتُمُوهُ عِبَارَةً أُخْرَى. الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ يَقْتَضِي الْمَنْسُوخَ ثُبُوتُهُ وَالنَّاسِخَ رَفْعُهُ , أَوْ بِالْعَكْسِ , وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّائِدِ وَالْمَزِيدِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَقِلٌّ بِإِفَادَةِ حُكْمِهِ , وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلَيْنِ ; فَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ أَحَدِهِمَا وَإِبْطَالُهُ وَإِلْقَاءُ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَقِيقِهِ وَصَاحِبِهِ ; فَإِنَّ كُلَّ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ , وَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ وَإِبْطَالُهُ إلَّا حَيْثُ أَبْطَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِنَصٍّ آخَرَ نَاسِخٍ لَهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْسُوخِ , وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَفٍ فِي مَسْأَلَتِنَا ; فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلَيْنِ مُمْكِنٌ , وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا وَلَا تَنَاقُضَ بِوَجْهٍ ; فَلَا يَسُوغُ لَنَا إلْغَاءُ مَا اعْتَبَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ , كَمَا لَا يَسُوغ لَنَا اعْتِبَارُ مَا أَلْغَاهُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ نَاسِخًا لِلْقُرْآنِ وَإِثْبَاتُ التَّغْرِيبِ نَاسِخًا لِلْقُرْآنِ فَالْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ أَيْضًا نَاسِخٌ لِلْقُرْآنِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَلْبَتَّةَ , بَلْ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ وَمَعَاقِدُ الْقُمُطِ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْقُرْآنِ , وَحِينَئِذٍ فَنَسْخُ كِتَابِ اللَّهِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا أَوْلَى مِنْ نَسْخِهِ بِالرَّايِ وَالْقِيَاسِ وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَاسِخًا لِلْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ هَذَا نَسْخًا لَهُ , وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا نَسْخًا وَذَاكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ فَتَحَكُّمٌ بَاطِلٌ وَتَفْرِيقٌ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ مَا خَالَفْتُمُوهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ إنْ كَانَتْ تَسْتَلْزِمُ نَسْخَهُ فَقَطْعُ رِجْلِ السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ نُسِخَ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا نَسْخًا فَلَيْسَ ذَلِكَ نَسْخًا. الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّكُمْ قُلْتُمْ لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ , وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ اسْتِحْلَالَ الْبُضْعِ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى مَالًا , وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ , فَزِدْتُمْ عَلَى الْقُرْآنِ بِقِيَاسٍ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ , وَبِخَبَرٍ فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ ; فَإِنْ جَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ؟ وَإِنْ كَانَ هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ لَمْ يَكُنْ الْآخَرُ نَسْخًا. الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّكُمْ أَوْجَبْتُمْ الطَّهَارَةَ لِلطَّوَافِ بِقَوْلِهِ: ﴿الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ﴾ وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَمَرَ بِالطَّوَافِ وَلَمْ يَامُرْ بِالطَّهَارَةِ , فَكَيْفَ لَمْ تَجْعَلُوا ذَلِكَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ وَجَعَلْتُمْ الْقَضَاءَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالتَّغْرِيبِ فِي حَدِّ الزِّنَا نَسْخًا لِلْقُرْآنِ؟ الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّكُمْ مَعَ النَّاسِ أَوْجَبْتُمْ الِاسْتِبْرَاءَ فِي جَوَازِ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بِحَدِيثٍ - وَرَدَ - زَائِدٍ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ , وَلَمْ تَجْعَلُوا ذَلِكَ نَسْخًا لَهُ , وَهُوَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ , فَهَلَّا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْقُرْآنِ؟ الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّكُمْ وَافَقْتُمْ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ , وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا , فَهَلَّا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فِي خَبَرِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالتَّغْرِيبِ وَلَمْ تَعُدُّوهُ نَسْخًا؟ وَكُلُّ مَا تَقُولُونَهُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ يَقُولُهُ لَكُمْ مُنَازِعُوكُمْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ حَرْفًا بِحَرْفٍ. الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: لَا يُفْطِرُ الْمُسَافِرُ وَلَا يَقْصُرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ , وَاَللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الثَّلَاثَةَ وَمَا دُونَهَا , فَأَخَذْتُمْ بِقِيَاسٍ ضَعِيفٍ أَوْ أَثَرٍ لَا يَثْبُتُ فِي التَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثِ , وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ , وَلَمْ تَجْعَلُوا ذَلِكَ نَسْخًا , فَكَذَلِكَ الْبَاقِي. الْوَجْهُ الثَّلَاثُونَ: أَنَّكُمْ مَنَعْتُمْ قَطْعَ مَنْ سَرَقَ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ الْأَمْوَالِ مَعَ أَنَّهُ سَارِقٌ حَقِيقَةً وَلُغَةً وَشَرْعًا ;

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٢٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٢٢٧