يَتَغَيَّرُ وَلَا يَقْبَلُ سَلْبَ سَبَبِيَّتِهَا وَلَا مُعَارَضَتَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ أَقْوَى مِنْهَا كَمَا يَقُولُهُ الطَّبَائِعِيَّةُ وَالْمُنَجِّمُونَ وَالدَّهْرِيَّةُ , وَالثَّالِثُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْحِسُّ وَالْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ: إثْبَاتُهَا أَسْبَابًا , وَجَوَازًا , بَلْ وُقُوعُ سَلْبِ سَبَبِيَّتِهَا عَنْهَا إذَا شَاءَ اللَّهُ وَدَفْعُهَا بِأُمُورٍ أُخْرَى نَظِيرَهَا أَوْ أَقْوَى مِنْهَا , مَعَ بَقَاءِ مُقْتَضَى السَّبَبِيَّةِ فِيهَا , كَمَا تُصْرَفُ كَثِيرٌ مِنْ أَسْبَابِ الشَّرِّ بِالتَّوَكُّلِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْعِتْقِ وَالصِّلَةِ , وَتُصْرَفُ كَثِيرٌ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا بِضِدِّ ذَلِكَ , فَلِلَّهِ كَمْ مِنْ خَيْرٍ انْعَقَدَ سَبَبُهُ ثُمَّ صُرِفَ عَنْ الْعَبْدِ بِأَسْبَابٍ أَحْدَثُهَا مَنَعَتْ حُصُولَهُ وَهُوَ يُشَاهِدُ السَّبَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ أُخِذَ بِالْيَدِ؟ وَكَمْ مِنْ شَرٍّ انْعَقَدَ سَبَبُهُ ثُمَّ صُرِفَ عَنْ الْعَبْدِ بِأَسْبَابٍ أَحْدَثُهَا مَنَعَتْ حُصُولَهُ؟ , وَمَنْ لَا فِقْهَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا انْتِفَاعَ لَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا بِعِلْمِهِ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
الْمِثَالُ الْعَاشِرُ: رَدَّ الْجَهْمِيَّةُ النُّصُوصَ الْمُحْكَمَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي تَفُوتُ الْعَدَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ تَكَلَّمَ وَيَتَكَلَّمُ , وَكَلَّمَ وَيُكَلِّمُ , وَقَالَ وَيَقُولُ: وَأَخْبَرَ وَيُخْبِرُ , وَنَبَّأَ وَأَمَرَ وَيَامُرُ , وَنَهَى وَيَنْهَى , وَرَضِيَ وَيَرْضَى , وَيُعْطِي وَيُبَشِّرُ وَيُنْذِرُ وَيُحَذِّرُ , وَيُوَصِّلُ لِعِبَادِهِ الْقَوْلَ وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ , وَنَادَى وَيُنَادِي , وَنَاجَى وَيُنَاجِي , وَوَعَدَ وَأَوْعَدَ , وَيَسْأَلُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُخَاطِبُهُمْ وَيُكَلِّمُ كُلًّا مِنْهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٍ وَيُرَاجِعُهُ عَبْدُهُ مُرَاجَعَةً , وَهَذِهِ كُلُّهَا أَنْوَاعٌ لِلْكَلَامِ وَالتَّكْلِيمِ , وَثُبُوتُهَا بِدُونِ ثُبُوتِ صِفَةِ التَّكَلُّمِ لَهُ مُمْتَنِعٌ , فَرَدَّهَا الْجَهْمِيَّةُ مَعَ إحْكَامِهَا وَصَرَاحَتِهَا وَتَعْيِينِهَا لِلْمُرَادِ مِنْهَا بِحَيْثُ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ: رَدُّوا مُحْكَمَ قَوْلِهِ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ وَقَوْلِهِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَقَوْلِهِ ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾} وَغَيْرِهَا مِنْ النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: وَقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وَالْآيَتَانِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ ; فَلَيْسَ " اللَّهُ " اسْمًا لِذَاتٍ لَا سَمْعَ لَهَا وَلَا بَصَرَ لَهَا وَلَا حَيَاةَ لَهَا وَلَا كَلَامَ لَهَا وَلَا عِلْمَ , وَلَيْسَ هَذَا رَبَّ الْعَالَمِينَ , وَكَلَامُهُ تَعَالَى وَعِلْمُهُ وَحَيَاتُهُ وَقُدْرَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَرَحْمَتُهُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ ; فَهُوَ سُبْحَانَهُ بِصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ الْخَالِقُ , وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ , وَأَمَّا إضَافَةُ الْقُرْآنِ إلَى الرَّسُولِ فَإِضَافَةُ تَبْلِيغٍ مَحْضٍ , لَا إنْشَاءٍ. وَالرِّسَالَةُ تَسْتَلْزِمُ تَبْلِيغَ كَلَامِ الْمُرْسَلِ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْسَلِ كَلَامٌ يُبَلِّغُهُ الرَّسُولُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا ; وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ ; مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا فَقَدْ أَنْكَرَ رِسَالَةَ رُسُلِهِ فَإِنَّ حَقِيقَةَ رِسَالَتِهِمْ تَبْلِيغُ كَلَامِ مَنْ أَرْسَلَهُمْ ; فَالْجَهْمِيَّةُ وَإِخْوَانُهُمْ رَدُّوا تِلْكَ النُّصُوصَ الْمُحْكَمَةَ بِالْمُتَشَابِهِ , ثُمَّ صَيَّرُوا الْكُلَّ مُتَشَابِهًا , ثُمَّ رَدُّوا الْجَمِيعَ , فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ فِعْلًا يَقُومُ بِهِ يَكُونُ بِهِ فَاعِلًا كَمَا لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ كَلَامًا يَقُومُ بِهِ يَكُونُ بِهِ مُتَكَلِّمًا ; فَلَا كَلَامَ لَهُ عِنْدَهُمْ وَلَا أَفْعَالَ , بَلْ كَلَامُهُ وَفِعْلُهُ عِنْدَهُمْ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ صِفَةً لَهُ ; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ إنَّمَا يُوصَفُ بِمَا قَامَ بِهِ لَا بِمَا لَمْ يَقُمْ بِهِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُجْمَلًا فَنَذْكُرُهُ هَهُنَا مُفَصَّلًا - رَدَّ الْجَهْمِيَّةُ النُّصُوصَ الْمُتَنَوِّعَةَ الْمُحْكَمَةَ عَلَى عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَكَوْنِهِ فَوْقَ عِبَادِهِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَوْعًا: أَحَدُهَا: التَّصْرِيحُ بِالْفَوْقِيَّةِ مَقْرُونَةً بِأَدَاةِ " مِنْ " الْمُعَيِّنَةِ لِفَوْقِيَّةِ الذَّاتِ نَحْوَ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الثَّانِي: ذِكْرُهَا مُجَرَّدَةً عَنْ الْأَدَاةِ كَقَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الثَّالِثُ: التَّصْرِيحُ بِالْعُرُوجِ إلَيْهِ نَحْوَ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ﴿فَيَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ﴾. الرَّابِعُ: التَّصْرِيحُ بِالصُّعُودِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ الْخَامِسُ: التَّصْرِيحُ بِرَفْعِهِ بَعْضَ