وإذا كان الأمر على ما سبق تقريره فإن التحيل الهادف لإبطال مقصد الشارع، والمؤدي إلى مآلات فاسدة مناقضة لمقاصد الشريعة، قد جرى سنن التشريع على إبطاله.
معنى الحيل: الحيلة، والاحتيال، والتحيل: الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف، وأكثر استعمال الحيلة فيما في تعاطيه خبث. ومن معانيها في اللغة والعرف: المكر، والخديعة، والكيد، وأكثر ظهورها في الفعل المذموم ، وقد يقصد بها الوجه المحمود([31])، ومن هذا الوجه قوله تعالى في وصف من تخلف عن الهجرة لعذر: ((لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً)) (النساء:98). وقد غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم.([32])
أما المفهوم الأصولي للحيل فيبينه الإمام الشاطبي بقوله: «فإن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر. فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع» ([33]).
مقومات التحيل الممنوع شرعاً:
انطلاقاً من تعريف الشاطبي للحيل يمكن استخلاص ثلاثة عناصر مكونة لمفهوم الحيل وهي:
1- إن «التحيل» في اصطلاح أهل الشريعة لا يتحقق إلا إذا اتخذ المتحيل فعلاً ظاهر المشروعية بقصد تحقيق غرض أو مقصد غير مقصد الشارع، وغالباً ما يكون مقصد المتحيل غير مشروع؛ لأنه يستهدف خرم مقاصد الشريعة في الواقع. أما إذا اتخذ المتحيل فعلاً غير مشروع أصلاً لتحقيق غرض غير مشروع فهذا صريح معاندة الشارع، وليس تحيلاً؛ لكون المخالفة واقعة في ذات الفعل ومآله، ومنع هذا الضرب أولى من سابقه للحرمة المزدوجة وإن لم يدخل في التحيل.([34])