لئن ذهب ابن حزم منكراً مبدأ سد الذرائع لظنيته، فإن من أثبته اعتبره أصلاً من أصول التشريع، ودليلاً معتبراً من أدلة الأحكام، لكون الظن الراجح معتبراً في أحكام الشريعة، فلا يشترط لثبوتها اليقين.. وفضلاً عن ذلك، فإن حِكَمَ الشارع تقتضي منع الأسباب والذرائع المؤدية إلى المحظور وإن كانت مباحة مطلوبة أصلاً، فإذا أدت هذه الذرائع المباحة إلى مفاسد، نظراً لظروف خاصة أو أحوال معينة، فإنها تمنع وتصير محظورة. فالبيع مباح ولكنه في وقت صلاة الجمعة محظور، وقطع الأيدي في السرقة فرض لكنه في الغزو ممنوع لئلا يكون ذريعة لفرار المحدود إلى العدو حمية وغضباً. والنظام التشريعي قائم على رعاية المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، وسد الطرق المؤدية إليها، ويشهد لذلك استقراء أدلة الأحكام؛ وقد ساق ابن القيم تسعة وتسعين وجهاً شاهداً لهذه القاعدة بالاعتبار، منها:
1- قوله تعالى: ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ راعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا)) (البقرة:104)، نهاهم سبحانه وتعالى أن يقولوا هذه الكلمة -مع قصدهم بها الخير- لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويقصدون بها السبّ، يقصدون فاعلاً من الرعونة، فنُهي المسلمون عن قولها سداً لذريعة المشابهة، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم تشبهاً بالمسلمين يقصدون بها غير قصدهم.
2- إنّ الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية؛ لأنها ذريعة إلى الرشوة التي هي أصل فساد العالم وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الخونة والضعفاء والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، وما ذلك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجرعادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته، والإنسان عبد الإحسان، فتقضى حاجته بغض النظر عن مدى أحقيته واستحقاقه لذلك.