تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويوضح هذا المثال الذي ساقه فقال: «فإذا قلت إن كل مسكر حرام، فلا يتم القضاء عليه حتى يكون بحيث يشار إلى المقصود منه ليستعمل أو لا يستعمل، لأن الشرائع إنما جاءت لتحكم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلوه، فإن شرع المكلف في شرب الخمر مثلاً قيل له أَهَذا خمر أم لا؟ فلا بد من النظر في كونه خمراً أو غير خمر، وهو معنى تحقيق المناط. فإذا وجد فيه أمارة الخمر أو حقيقتها بنظر معتبر قال: نعم هذا خمر، فيقال له كل خمر حرام الاستعمال، فيجتنبه».([57])

والإمام الشاطبي يرى أن تحقيق المناط يستلزمه القيام بالتكاليف، وعليه فهو متعلق بالمكلفين كافة، مجتهدين كانوا أم عَواماً، «فإن العامي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهواً من غير جنس أفعال الصلاة، أو من جنسها إن كانت يسيرة فمغتفرة، وإن كانت كثيرةً فلا، فوقعت له زيادة، فلا بد من النظر فيها حتى يردَّها إلى أحد القسمين، ولا يكون ذلك إلا باجتهاد ونظر، فإذا تعين قسمها تحقق له مناط الحكم فأجراه عليه، وكذلك سائر تكاليفه».([58]) غير أن هذا البحث متعَّلِق تحقيقُ مناطه بعمل الفقيه المجتهد وليس العامي،ومن ثم فإن مفهوم تحقيق المناط المراد بيانه هنا هو المتعلق بعمل المجتهد الفقيه.

وبناء على ما سبق يكون إطلاق المناط وارداً على مضمون القاعدة التشريعية أو الفقهية، أو على معنى الأصل الكلي الذي ربط به حكم كل منهما، كما يطلق على علة حكم النص التشريعي الجزئي أوالمتعلق بمسألة خاصة معينة، سواء أكانت ثابتة بالنص أو الإجماع أو الاستنباط، والتي هي أساس القياس الأصولي الخاص، والجامعة بين الأصل والفرع.([59])

ومن هنا يمكن تعريف تحقيق المناط بأنه: إثبات مضمون الحكم الشرعي التكليفي، المستفاد من نص أو إجماع أو اجتهاد، في الوقائع الجزئية أثناء التطبيق، والتحقق من مدى اشتراك الأصل والفرع في العلة عند القياس.

الاجتهاد التنزيلي · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد التنزيليص ٢٢