أول هذه المواقف : ما عنون له ابن هشام بعنوان : (استكبار قريش عن ان يؤمنوا بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وبما عرفوا من الحق ، وعرفوا صدقه فيما حدث ، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب ، حين سألوه عما سألوا عنه ، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه ، فعتوا على الله ، وتركوا أمره عياناً ، ولجوا فيما هم عليه من الكفر ، فقال قائلهم : ﴿لاتسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ (132) ، أي اجعلوه لغوا وباطلاً ، واتخذوه هزواً ، لعلكم تغلبونه بذلك ، فانك ان ناظرتموه او خاصمتموه ـ يوماً ـ غلبكم (133).
ثم يستكمل ابن هشام هذا النصر بعد ذكره قصة عن ابي جهل فيقول : (فلما قال ذلك بعضهم لبعض ، جعلوا اذا جهر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالقرآن ـ وهو يصلي ـ يترقون عنه ، ويأبون ان يسمعوا له .
فكان الرجل منهم اذا اراد ان يستمع من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي ، استرق السمع دونهم فرقاً منهم ، فإن رأى انهمقد عرفوا انه يستمع منه ذهب ـ خشية أذاهم ـ فلم يستمع منه ، وان خفض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صوته ، فظن الذي يستمع انهم لا يستمعون شيئاً من قراءته ، وسمع هو شيئاً ـ دونهم ـ اصاخ له يستمع منه) .
ثم روى ابن اسحاق بسنده عن ابن عباس قال : (انما انزلت هذه الآية ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾ (134) من اجل اولئك النفر يقول : لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك ، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب سماعها ممن يسترق السمع الى ذلك دونهم ، لعله يرعوي الى بعض ما يسمع ، فينتفع به (135) .
الموقف الثاني :