تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عندما نتتبع اثر كلام الله ـ القرآن ـ فيمن سمعه وتدبره من البشر فاننا نجد ان اول من يتأثر بكلامه هم من تلقوه، وكلفهم الله ببلاغه للبشر ، وهم الانبياء والرسل ، ولذلك يقول سبحانه ـ بعد ان تحدث عن من الانبياء والرسل في سورة مريم : ﴿اولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبرهيم واسراءيل وممن هدينا واتبينا إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن خروا سجداً وبكيا﴾ (77) ، فهؤلاء اذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم ، خضوعاً واستكانة ، حمداً وشكراً على ما هم فيه من النعم العظيمة ، والبكي جمع باك ، فلهذا اجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم ، واتبعاً لمنوالهم ، ولما قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة مريم سجد وقال : (هذا السجود فأين البكي) يريد البكاء (78).

ويقول سيد قطب في تفسير الآية وأولئك النبيون ، ومعهم من هدى الله واجتبى من الصالحين من ذريتهم ، صفتهم البارزة : ﴿اذا تتلى عليهم ءايت الرحمن خروا سجداً وبكياً﴾ فهم اتقياء ، شديدوا الحساسية بالله ، ترتعش وجداناتهم حين تتلى عليهم آياته ، فلا تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم من تأثر ، فتفيض عيونهم بالدموع ، ويخرون سجداً وبكياً (79).

والسجود حركة ظاهرية ، تعبر عن اعلى وأصدق درجات الانقياد والاستسلام والتذلل للمسوجد له ، واما البكاء : فهو تنفيس عن انفعالات داخلية شديدة ، يعجز صاحبها عن التعبير عنها ، فتعبر عيناه بالدمع ، وكان سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول المتأثيرين بالقرآن الكريم ، تاثراً باطنياً وظاهرياً ، وكفى سلوكه شاهداً على ذلك وبرهاناً عليه.

الاعجاز التأثيري للقرآن الكريم · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاعجاز التأثيري للقرآن الكريمص ٢٧