الهداية الربانية قد حفت البشرية منذ اللحظة الأولى، حيث لم توجد في الأرض لتكون شيئاً مهملاً يعيش حياة الفوضى لا يعرف للعدل باباً.
ومن الأدلة على ذلك:
أولاً: تكريم الله للإنسان وخلقه في أحسن تقويم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (1).يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية: «كرمنا تضعيف كرم، أي جعلنا لهم كرماً أي شرفاً وفضلاً، وهذا التكريم نفي النقصان لا كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة ... وتخصيصهم بما خصّ به من المطاعم والمشارب والملابس ... والصَحِيْح الذي يعول عليه أن التفضيل أنما كان بالعقل، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بُعثت الرسل وأنزلت الكتب. فمثال الشَّرْع الشمس ومثال العقل العين فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء» (2).
ثانياً: لقد اتصلت البشرية بالوحي الإلهي والتوجيه الرباني من أول يوم عاشته على ظهر هذه الأرض. قَالَ تعالى: ﴿فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (3). فكيف يصور الباحثون في تاريخ المجتمعات القديمة من علماء الاجتماع والتاريخ هذه الحياة بالوحشية والبربرية والإباحية والفوضى ودون أن يتصلوا بالمفاهيم المجردة كالعدل والاستقامة. وما فتئ التشريع الرباني مواكباً سير البشرية ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِير﴾ (4) ينظم أحكام المال ويقيد مساره استغلالاً واستهلاكاً وانتقَالاً منه إلى غيره تحقيقاً للعدالة، وما العدل إلا أمر إلهي وقاعدة سنها الله تعالى في الخلق تكويناً، وللخلق تشريعاً فهو سنة الله تعالى في خلقه، وحب العدل يوافق فطرة الله التي فطر عليها الناس، وتطبيق النظم العادلة يتناسب مع تكريم الله تعالى
(1) الإسراء / 70.
(2) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، (671 هـ): الجامع لأحكام القرآن، (10/ 293 - 294).
(3) البقرة / 37.
(4) فاطر / 24.