أعيرته بأمه؟ إنّك امرؤ فيك جاهلية»، ثم قَالَ: «طفَّ (1) الصاع، طفَّ الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح».
فندم أبو ذر على فعلته، وأثرت كلمات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في نفسه فألصق خذه بالأرض، وقَالَ لأخيه الأسود: «قُم فطأ خدي» (2).
ثانياً: عدالة الخلفاء الراشدين ومن بعدهم:
- أخرج البَيْهَقِيّ عن عبد الله بن عمر بن العاص: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام يوم جمعة، فقَالَ: «إذا كان بالغداة فأحضروا صدقات الإبل نقسِم، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقَالَت امرأة لزوجها: خذ هذا الخِطام (3) لعلَّ الله يرزقنا حَمَلاً، فأتى الرَّجُل، فوجد أبا بكر وعمر، رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر، فقَالَ: «ما أدخلك علينا؟» ثم أخذ منه الخِطام، فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسْم الإبل دعا بالرَّجُل، وأعطاه الخِطام، وقَالَ: «استقد» فقَالَ له عمر: «والله لا يستقيد، لا تجعلها سنة، قَالَ أبو بكر: ... «فمن لي من الله يوم القيامة؟» فقَالَ عمر: «أرضِهِ»، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة ورحِلها وقطيفة (4) وخَمسة دنانير فأرضاه بها» (5).
وأورد ابن الجوزي عن عروة قال: كان عمر رضي الله عنه إذا أتاه الخصمان برك على ركبتيه وقال: «اللهمّ أعني عليهما، فإن كلَّ واحد يريدني على ديني» (6).
وأخرج مالك عن سعيد بن المسيّب أن مسلماً ويهودياً اختصما إلى عمر رضي الله عنه فرأى عمر الحق لليهودي فقضى له عمر به، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق فضرب عمر بالدّرَّة وقال: وما يدريك؟ فقال اليهودي: والله إنا نجد في التوراة ليس قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يُسددانه ويوفقانه للحق ما دام مع الحق فإذا ترك الحق عرجا وتركاه (7). وأنصف
(1) طفَّ: يُقَال: طفا أي ارتفع إلى أعلاه أو نهايته، المعجم الوسيط، ص (560).
(2) قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّك امرؤ فيك جاهلية» رواه البُخَارِيّ كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجَاهِليَّة (1/ 20) و (5/ 2248)، ومسلم كتاب الإيمان باب إطعام المملوك مما يأكل (3/ 1282) و (3/ 1283).
(3) الخِطام: الزَّمام ما وُضع على أنف الجمل ليُقادَ به. المعجم الوسيط، ص (245).
(4) القطيفةُ: كساء له أهداب، المعجم الوسيط، ص (747).
(5) الكندهلوي: حياة الصحابة (2/ 92). وانظر: سُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (8/ 49).
(6) ابن الجوزي، تاريخ عمر بن الخطّاب، ص (114).
(7) الكندهلوي: حياة الصحابة (2/ 105).