جميعاً ولكنها الرحمة الحازمة، الرحمة التي لا تتصف بالضعف، الرحمة التي تقوم على الحماية للمصلحة الحقيقية للمجرم والمجتمع، لا مجرد التخفيف عنه والرفق به: فهي رحمة تبتغي الخير الحقيقي الآجل، ولا تتوقف عند الخير العارض العاجل، قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (1).
وهذا الوصف من الله تعالى لرسوله الأمين - صلى الله عليه وسلم - يستلزم بالضرورة نفي صفات الانتقام والتعذيب والتنكيل من العقوبات الشَّرْعية، بل لقد أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه، وعدم تجاوز القدر من الشدّة الذي وضعه الشَّارِع فيها. فقَالَ: «اللهمّ من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به» (2).
فالعقوبات رحمة بالنسبة للمنحرف ذاته، وبالنسبة للمجتمع الذي يعيش فيه، أما بالنسبة للمجتمع فذلك ظاهر لما تجلبه له من شيوع الأمن والحماية للأموال والدماء ... وبما تدفعه عنه من أذى العدوان والقلق والترويح، فإذا أرخص الإسلام دم قاتل فلكي يحقن ألوف الدماء ويحيط الجماعة كلّها بما يحفظ عليها حياتها وأمنها، زد على ذلك ما في إقامة الحدود من بركات تعم المجتمع بأسره، وقد قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً» (3) وفي رواية أربعين ليلة.
أما أنها رحمة بالمعتدي، فيتجلى ذلك في مغفرة الله ورحمته التي تحوطه بعد إقامة الحد عليه، فالحدود كفارات للآثام وجوابر لها، تغسل أثرها وتمحو ذنبها، وفي حديث عن ماعز: «لقد تاب توبة لو قسّمت بين أمّة لوسعتهم» (4) وعن الغامدية: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم» (5). كما جاء في السنّة: «من أصاب في الدنيا ذنباً فعوقب به، فالله أعدل
(1) الأنبياء / 107.
(2) صَحِيْح مسلم، باب: فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر (3/ 1458) واللفظ له. وصَحِيْح ابن حِبِّان (2/ 313). ومُسْنَد أبي عوانة، (4/ 380) وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى، (10/ 136)، السُنَن الكبرى (5/ 275)، والمعجم الأوسط، (1/ 115)، ومُسْنَد أحمد (6/ 62).
(3) حديث سبق تخريجه، ص ().
(4) صَحِيْح مسلم (3/ 1322)، وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (6/ 83)، وانظر التاج (3/ 25).
(5) صَحِيْح مسلم (3/ 1324)، وسُنَن الدَّارَقُطْنِيّ (3/ 127)، وسُنَن التِّرْمِذِي (4/ 42)، وصَحِيْح ابن حِبِّان (10/ 251)،
وانظر التاج (3/ 27).