«أيها الناس، إني ما أرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينه وسنة نبيكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إليّ، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه، فوثب عَمْرو بن العاص فقَالَ: يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟ فقَالَ: أي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه كيف لا أقصه منه وقد رأيت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يقص من نفسه» (1).
وقد جرى العمل في الشَّرِيعَة على محاكمة الخلفاء والملوك والولاة أمام القضاء، فهذا علي بن أبي طالب في خلافته يفقد درعاً له ويجدها مع يهودي يدعي ملكيتها، فيرفع أمره إلى القاضي فيحكم لصالح اليهودي ضد الخليفة لأنه لا يملك دليلاً على ادعائه» (2).
وبهذا الأصل العظيم الذي تنكمش أمام روعته جميع التشريعات البشرية، إذا ذكر العدل الإنساني أهدر الإسلام نظام الطبقات الذي كان أساس التشريع الروحاني والذي لا يزال الطغيان البشري يحتفظ ببعض آثاره إلى الآن، وجعل الجميع أمام الحق والواجب سواء.
وهذه المساواة هي ما يطلق عليها في الاصطلاح الحديث بالمساواة القانونية: «أن يخضع الجميع لحماية القانون، وأن تكون التكاليف التي يفرضها القانون على الناس متساوية» (3).
وبمقتضى هذه المساواة يكون جميع الأفراد متساوين في نظر القضاء يحتكمون لمحاكم واحدة، وتطبيق عليهم قوانين واحدة.
«ومن الطبيعي أن المساواة أمام القضاء لا تعني عدم اختلاف العقوبة أو عدم تعدد المحاكم، إذ تختلف العقوبات على الجرائم المتماثلة بحسب ظروف الجريمة، كما تختلف المحاكم بحسب تخصصها، غير أنه يجب أن يراعى دائماً أن يعامل جميع الأفراد معاملة واحدة وتطبيق عليهم قوانين واحدة دون أن يكون هناك تمييز بين فئة من الناس وأخرى» (4).
خصائص العقوبة في الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة ومثاليتها
(1) ابن الأثير: التاريخ (3/ 208) وأبو يوسف الخراج ص (66) وابن قُدامة المُغْني (9/ 140).
(2) الكاندهلوي: حياة الصحابة، (2/ 234 - 235).
(3) بدوي، ثروت: النظم السِّيَاسِيَّة، ص (387).
(4) النبهان، محمد فاروق: نظام الحكم في الإسلام، ص (188).