تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما هي حاجة استنهاض الفقهاء والمجتهدين إلى فتح الأقنية الاجتهادية بين الإسلام ومظاهر الحياة العصرية الوافدة من الغَرْب؟ وكأن هؤلاء المستنهضين لم ينجرفوا بعد في تيار هذه الحياة الغَرْبيّة على علاتها، ولم يفرقوا فيها من الأخمص إلى الرأس، وكأنهم ثابتون صامدون صابرون، لم يسمحوا لأنفسهم بمس شيء من مظاهر تلك الحياة، في انتظار أن تصدر لهم الفتاوى بذلك من علماء الإسلام ومجتهديهم ‍!

إننا نقع اليوم في منطقة جاذبية الحَضَارَة الغَرْبيّة، تشهد على ذلك مرافقنا ومؤسساتنا الإعلامية وتنطق بذلك اتجاهاتنا الأدبية والفنية والثقافية، ومظاهر حياتنا الاجْتِمَاعِيَّة، وهو أمر يدل على أن لهذه الجاذبية تأثيراً بالغاً على نفوسنا وأفكارنا، فلا نحن نملك في هذه الحال الاعتصام بأصولنا ومنطلقاتنا الحضارية التي أرساها لنا كتاب الله عزّ وجلّ، لأننا منجذبون عنها إلى فلك هذه الحَضَارَة وبريقها، ولا نملك بإرادتنا لاختيار ما يفيدنا أخذه واطراح ما يتعين علينا تركه مما هو عند الغَرْب، لأن إرادتنا مشلولة تحت سلطان هذه الجاذبية وإذا كان الأمر كذلك فمن أين تنبعث فاعلية التريث والانتقاء؟

هذا شيء وثمة أشياء أخرى تجعل فكرة التوفيق بين الحضارتين أسلوباً من التلاعب الغث، يبكي ويضحك في آن واحد نلخص هذه الأشياء في النقاط التالية:

أولاً: إن الانفتاح الكلي أو الجزئي على ثمار الحَضَارَة الغَرْبيّة ونتاجها، لا يمكن أن يعني سيراً في طريق نهضة «لأن نهضة الإنسان في حياته ومجتمعه ودولته إنما مردها إلى فكر مبدئي يقوم على عقيدة عقلية تعطي فكرة كليّة عن الكون والإنسان والحياة، تكون بمثابة قاعدة فكرية تنبني عليها الأفكار عن الحياة الدنيا وتنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة» (1).

كما أن الانفتاح الكلي أو الجزئي على ثمار الحَضَارَة الغَرْبيّة ونتاجها «لا يعني سوى كسر لذلك الطوق وفتح في أسوار قاموس المفاهيم الإسْلاميَّة وأحكام الإسلام ومصطلحات العلم ... إدخالاً وإخراجاً أو تقبلاً أو رفضاً، أخذاً أم عطاءً» (2).

«كما لا يعني الانفتاح أن عالمنا الإسلامي قد أصبح شريكاً في بناء الحَضَارَة العالمية للإنسان، وإنما يعني ذلك بكل تأكيد أن العالم العربي والإسلامي جعل بذلك من نفسه مجرد جندي لحراسة الحَضَارَة الغَرْبيّة، بل مجرد سوق استهلاكية لها، بل حطباً يؤجج به ضرامها ابتغاء المزيد من إضاءة نارها» (3).

(1) القصص، أحمد: أسس النهضة الحديثة، ص (118).

(2) الصافي، عثمان: رسالة موجزة بعنوان «الانفتاح»، ص (7).

(3) البوطي: مجلة الأمة القطرية، ص (7).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٢٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٢٣٦