والاحتكارات الكبيرة فأدى ذلك إلى ظهور الفروق الاجْتِمَاعِيَّة الواسعة بين الطبقات، وإلى استغلال أصحاب المشاريع الضخمة والصناعات الكبرى للملايين من العمال يستغلونهم دون أن يوفوهم أجورهم بالعدل، وانحازت الحكومات لحماية الرأسماليين وتمكينهم من استغلال العمال، ومساعدتهم على احتكاراتهم واستغلال المستهلكين بغير حق. وكان ذلك من أسباب شحن الجماهير الكثيرة بالنقمة من الرأسماليين ومن السلطات الحاكمة المنحازة لهم باسم الحرِّيَّة الفردية في النشاط الاقتصادي. وظهرت نُذُر الصراع الطبقي من جديد مع سيادة التطبيقات الرَّأْسُماليَّة وإسرافها في استغلالها واحتكاراتها التي كانت تحمل في نفسها بذور الدمار والفناء لهذا النِّظَام الفردي الذي انكشف عواره وتجلى فساده لجميع البلدان التي كانت تحت نفوذ الغَرْب.
وتحت ضغط المطالب الشعبية والحركات الجماعية التي تأثرت بدعاية الاشتراكيين في روسيا، انبثقت دعوات إصلاحية معتدلة، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر من بعض أنصار المذهب أمثال جون ستيوارت ميل (1) (1806 - 1873) وغيره ممّن يرون إمكان إصلاح النظم الرَّأْسُماليَّة القائمة وتخفيف وطأتها، والعمل على استبعاد الأسباب التي تؤدي إلى ظلم طبقة العمال واستغلالهم بغير حق، وإيجاد تنظيمات جزئية تحقق القدر اللازم من العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة، نحو:
1 - إلغاء العمل المأجور لأن العمل المأجور سوف يبقي العامل في سوية من العيش منخفضة لا تسمح له بأن يرفع من مستواه المعيشي ولذلك اقترح إنشاء جمعيات تعاونية إنتاجية يشترك فيها العمال مع بعضهم البعض في العمل ويقتسمون الربح فيما بينهم.
إضافة إلى تنظيم حقوق العمال في الأجور العادلة وفي تحديد ساعات العمل وفي التأمين الصحي وفي تأمين العجز والشيخوخة والعيش بعد سن التقاعد كالتعليم المجاني العام.
2 - مصادرة الريع العقاري: لأن سبب وجود هذا الريع هو تزايد السكان، وهذا الريع سوف يزداد كلما ازداد عدد السكان، ونظراً لأن سببه المجتمع لذلك وجب أن يعود إلى
(1) جون ستيوارت ميل (1806 - 1873)، من روّاد المذهب الكلاسيكي ويُعد حلقة اتصال بين المذهب الفردي والمذهب الاشتراكي، نشر سنة (1836) كتاباً أسماه مبادئ الاقتصاد السياسي. انظر: الجهني: الموسوعة المُيسرة، (2/ 921).