تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جلب الفتح الإسلامي إلى هؤلاء القبط - اليعاقبة - حياة تقوم على الحرِّيَّة الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان» (1).

وكثيراً ما كان الحكم الإسلامي مخلّصاً لكثير من طوائف النصارى من ظلم واضطهاد لما يتسم به العدل في أهل الذمة مما جعل المسيحيين يفضلون الحكم الإسلامي على حكم أبناء دينهم.

العدل فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم:

سبق لنا في بحث العدل فيما بينهم كيف أن المسيح عليه السلام أمرهم بمقابلة السيئة بالحسنة وأن لا يردوا على من أساء إليهم وتلك مثالية عالية لم تبلغها همم القوم ولعل ما نزل بهم من ظلم اليهود والرومان ما ترك في أنفسهم الرغبة في الانتقام متى استطاعوا ذلك بل الاعتداء إن قدروا.

وإن نحن استنطقنا تاريخ القوم أفصح لنا عن سوءات يتوارى المرء خجلاً، إذ تثبت الوقائع التاريخية أن القوم كانوا شديدي الظلم لمن يقع تحت سلطانهم من أهل الأديان الأخرى، إذ ليس لأهل الأديان بينهم مقام فإما التنصر وإما القتل أو الرحيل.

ولم يكن اضطهادهم للمخالفين عملاً فردياً يبدو حيناً ويختفي حيناً بل كان سياسية ثابتة حاسمة تستهدف إفناء الخصوم ومحو آثارهم.

فكانت المذابح العامة تدبر وتنفذ بوحشية بالغة ترتكب خلالها فظائع وجرائم يندى لها جبين الإنسانية فضلاً عن أتباع نبي كان من تعاليمه ما ذكرنا.

ولعل من أبلغ الأمثلة الشاهدة على مبلغ ظلم القوم وحقدهم تلك المذابح التي ارتكبها الصليبيون ضد سكان بيت المقدس إبان استيلائهم عليها عندما تخاذل عن الدفاع عنها العبيديون، إذ اكتفى واليهم آنذاك - افتخار الدَّوْلَة- بتأمين نجاته مع حرسه الخاص، وترك المدينة للصليبيين يعيثون فيها فساداً بعد أن دافع عنها دفاعاً هزيلاً، ذراً للرماد في العيون.

يقول شاهد عيان هو القس «ريموند» «بعد دخوله بين المقدس: وشاهدنا أشياء عجيبة، إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رمياً بالسهام أو أرغموا أن يلقوا بأنفسهم من فوق الأبراج، وظل بعضهم يعذبون عدة أيام ثم أحرقوا في النار، وكنت ترى في

(1) توماس آرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ص (94).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ١٠١