تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن التقييد بحالة الكبر خرج مخرج الغالب، لأن الولد غالباً إنما يحصل منه التهاون بأمر الوالدين عند بلوغهما سن العجز والكبر، إذ هما عنده في منْزله وكفالته معدودان من عياله، وهذا بحسب الغالب، وإلا فإن الولد مطالب ببر الوالدين مطلقاً، شيباً كانا أو شباباً، وإنما أكد تعالى على حال الكبر، وخصها بالبيان، لأنها مظنة انتفاء الإحسان، لأنها الحال التي قد يحصل معها عادة بعض الاستثقال والملل، لما قد يلقى الولد من أبيه أو أمه من مشقة القيام بشئونهما في مثل هذه المرحلة، مرحلة الكبر، مرحلة الضعف، والعجز، والحاجة.

وكلمة (عندك) توحي بالالتجاء إليه، والاحتماء به، لما آل إليه حالهما من الضعف والعجز والحاجة، فهما في بيته وفي كنفه لا كافل لهما بعد الله سواه، ولا راحم لضعفهما، ولا معين وجابر لكسر خواطرهما وسد خلتهما إلا هو بعد الله عز وجل، فليتق الله في أمرهما، وليتذكر ما لهما من سابق الفضل والنعمة عليه، مما لا يمكن بلوغ قدره، ومكافأته مهما بذل من بر وإحسان، وكما قيل: كما تدين تدان.

يقول الزمخشري: (فإن قلت: ما معنى (عندك)؟ قلت: هو أن يكبرا ويعجزا، وكانا كلا على ولدهما، لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشد احتمالا وصبراً، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق، ولين الجانب، والاحتمال، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما ((أف)) فضلا عما يزيد عليه.

ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في

الأبوة في القرآن الكريم · الصفحة ٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأبوة في القرآن الكريمص ٦٦