لنستمع إلى أندري دابزي: " لاتقتصر دراسة أسطورة أو موضوع أدبي على فهرس عشوائي من العنوانات أو الاستشهادات المقتلعة من سياقها. من بين كل تبدلات حكاية فاوست، يجب علينا البحث عن منطق، وثوابت. نتج عن التاريخ بنية أدبية متعددة الأشكال، تمتلك نوعاً من التميّز، ومرونة نسبية : تتفاعل، بصورة مختلفة مع الحوادث، والأفكار، والشعارات، ولها ردودها وانحرافاتاتها، وتفرض نفسها على الكاتب بصورة كبيرة، وحتى على العبقري " خاصة العبقري " الذي يريد التلاعب فيها عبر خياله " يجب التفكير إذن باستمرارية الاسطورة، وقابليتها للتبدل، وسياقها الواسع نسبياً (ولكنه ليس مطلقاً ويخضع، دون شك، لبعض المبادئ غير الأدبية).
لماذا لم يستطع فاوست حتى الآن " وضع نظارتين لمادية فظة "، ولا " ارتداء اللباس الجماعي "؟ هل تربطه أصوله المسيحية بتصور روحي وشخصي (لابل فردي) للحياة؟ إن إعادة قراءة التاريخ الأسطوري يعطي جواباً نهائياً على هذا السؤال. تنبع أصالة اسطورة فاوست، وفق رأي أندري دابزي، من التوتر المأساوي الموجود بين المحورين المتعارضين : اندفاع الإنسان وضغط الشر عليه.
بالنسبة لفاوست ودون جوان، لايمكن للمحور الأول السير دون الآخر، وهذا ما يفسر الفائدة الدائمة للجمهور. إن أسطورة فاوست تأكيد للإنسان وتحذير حول حدود الشرط الإنساني، في الوقت نفسه. لايمكن فصل الأسطورة التي قرأها أندري دابزي " كحكاية رمزية لموقف وجودي مثالي "، عمّا نسميه " الخيال. " يمكن للأسطورة أن تمر بمراحل، وتتعرض للاختفاء، والزوال، لتولد من جديد ثانية. ولكنها تفترض استمرارية عبر إعادة استخدامها، لأن التاريخ الأسطوري أخذ " صدى جماعياً ".
- من الشعرية إلى التأويل :