وعلى ضوء ما ذكرنا من الفرق بين البطولة والجهاد يمكن تفسير حياة بعض الصحابة الذين وقفوا موقف العداء من الإسلام بادئ ذي بدء ومن هؤلاء خالد بن الوليد ، الذي كان من أشد الأعداء للدعوة فترى خالداً في مكة وقد أشترك مع فتيانها في البطولة والفروسية ، والمبارزة والعراك ، التي يقصد منها الفتيان التعبير عن ذاتهم ، وإظهاراً لشخصياتهم فكان له من ذلك نصيب حتى أن قريشاً جعلته على قيادة الفرسان وأعِنةَ الخيل ، وجعلوه القوة الدفاعية للقبة التي يضعون فيها كل مهمات الجيش ، ولقد اشترك مع المشركين في غزوة أُحد وقد تحَينَ الفرصة للإنقضاض على المسلمين حينما خالف الرماة الأمر وتركوا الجبل فانتهز خالد الفرصة وطوق المسلمين من الخلف ، وفي غزوة الخندق كان أحد الأبطال الذين حاولوا اختراق الخندق للوصول إلى المسلمين ، ولكنه لم يوفق ، فقام بمشاورات واشتباكات مستمرة ، وقد بدأت نهاراً واستمرت إلى الليل وهذه المناوشة هي التي شُغل فيها الرسول ، صلى الله عليه وسلم عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء نظراً لخطورتها ولتهديدها المباشر للمدينة .
كل هذه الأعمال الخالدة توصف بالبطولة فقط لكنا لو نظرنا إلى ما كان منه من جهاد بعد إسلامه لرأينا الفرق شاسعاً ، والروح متغيرة تماماً فهو يندفع إلى القتال لإعلاء كلمة الله ، يمضي للأمر شرقاً وغرباً ، يطيع ويسمع ، ويأتمر وينفذ ، يتقدم لا يتأخر ، لا يقول أنا وإنما يعمل للإسلام ، في صدق وإخلاص وعزيمة ، متناسياً نفسه ، متجاوزاً ذاته .