تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7ــ المعاشرة بالمعروف:

((إني أحرج عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)). حديث شريف

توارد القول الكريم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في حسن معاشرة الزوجات ما يفيض رفقاً ورحمة ورعاية وعناية، وحسبك أن الله عز وجل جعل المرأة من آياته، وجعل المودة والرحمة والألفة عقدة الصلة بينهما، فذلك حيث يقول تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)).

ولقد كفى الله بهذه الآية وشفى في الأمر بحسن المعاشرة، ومن ذا الذي يسمع قوله تعالى: ((وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)) ثم يجفوا امرأته أو يتسخطها بعد ذلك؟ .. وإذا قلب المسلم بين أعطاف هذه الآية بصره، وملأ منها يده، وروى من معينها قلبه، لا شك أن ما يكرهه من امرأته سيزول من وجدانه، ولن يقر في عاطفته؛ إذ ما ظن المسلم في أمر يكرهه ثم يظل على لجاجته فيه بعد أن منّاه الله بالخير الكثير من ورائه؟ .. وأين ذلك من حصن الثقة وتمام الإيمان بالله؟ ..

قال بعض المفسرين: والخطاب للذين يسيئون العشرة مع أزواجهم.

وقوله تعالى: ((وعاشروهن بالمعروف)). قال السدي رحمه الله: خالطوهن، وقال ابن جرير رحمه الله: صحّفه بعض الرواة، وإنما هو: خالقوهن. ((بالمعروف)) وهو ما لا ينكره الشرع والمروءة. والمراد هنا النصفة في القسم والنفقة، والإجمال في القول والفعل، وقيل: المعروف هو ألا يضربها ولا يسيء الكلام معها، ويكون منبسط الوجه معها، وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، وقد استدل بعمومه من أوجب لهن الخدمة إذا كن ممن لا يخدمن أنفسهن.

قال ابن كثير رحمه الله: ((وعاشروهن بالمعروف) أي إن كرهتم صحبتهن وإمساكهن بمقتضى الطبيعة من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك. فعسى أن تكرهوا شيئا)) كالصحبة والإمساك ((ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)) كالولد والألفة التي تكون بعد الكراهة.

والمعنى: فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن، ولا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها، فلعل لكم فيما تكرهونه ((خيراً))، ((كثيراً)) مبالغة في الحمل على ترك المفارقة، وتعميماً للإرشاد، ولذا استدل بالآية على أن الطلاق مكروه.

وعن ابن إسماعيل في قوله تعالى: ((ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)) قال: الخير الكثير أن يعطف عليها فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيراً.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: ((فإن وقع بين الرجل وبين امرأته كلام فلا يعجل بطلاقها وليتأن بها وليصبر، فلعل الله سَيُرِيَه منها ما يحب)).

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: ((عسى أن يمسكها وهو لها كاره فيجعل الله فيها خيراً كثيراً)).وقال ابن الجوزي رحمه الله: ((وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها، ونبهت على معنيين: أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محموداً، ومحمود عاد مذموماً، والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوباً ليس فيه ما يكره، فيصبر على ما يكره لما يحب. وأنشدوا في هذا المعنى:

ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب

ومن يتتبع جاهداً كل عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب

ومما يرمي إلى ذلك الغرض الجليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)) أو قال: ((غيره)). والفرك: هو بعض أحد الزوجين الآخر، والفارك: هو المبغض لزوجته.

ومن هذا المعنى قول الرضي:

رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبداً يمانع عاشقاً معشوق

فصبرت حتى نلتهن ولم أقل ... ضجراً دواء الفارك التطليق

أختاه .. هل ثم خيار؟! .. · الصفحة ٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أختاه .. هل ثم خيار؟! ..ص ٣٠