و على هذا الأساس لم يعرف التاريخ صعودا لبني إسرائيل و علوا كبيرا فتحت فيه الأمصار و سيطرت خلاله على دول أخرى عديدة إلا في فترة النبي الملك داود و ابنه سليمان عليهما السلام، ثم تبعه فسادا و إفسادا في أرض فلسطين أدى بالنهاية إلى تدمير مملكتهم و ديارهم تدميرا كاملا التي لم تدمر إلا في وقت الملك نبوخذ نصر، و
من قبله كان تدمير الملك الآشوري سرجون لهذه الأراضي جزئيا و قد حكمها ردحا من الزمن و لم يقض عليها.. و أما دخول كل من الاسكندر القدس عام 333 ق. م. و تدمير الرومان للقدس عام 70 م، فلم يكن خلال هذين الحدثين علو و شأن كبيرين لدولة اليهود بين دول العالم القديم ... و هنا تجدر ملاحظة أن كل المفسرين للآيات المذكورة من سورة الإسراء و التي تسمى أيضا سورة إسرائيل أجمعوا أن الأولى كانت من فعل الملك البابلي، و لكن الاختلاف كان في الثانية.
معلوم أن التفسير مر بعدة مراحل و له عدة مدارس، منها مدرسة التفسير بالمأثور عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و الصحابة و التابعين رضي اللّه عنهم أجمعين، و مدرسة التفسير باللغة و علومها و فنونها، و مدرسة التفسير بالرأي المحمود المستند للحقائق العلمية و التاريخية و منها ما يعرف بالتفسير الموضوعي. «1»
يعتبر سيدنا ابن عباس من أهم مصادر المدرسة الأولى لأنه حبر الأمة كما وصفه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فهو خير من نقل عن المصطفى صلى اللّه عليه و سلم.. يذكر رضي اللّه عنه في تفسير القوم الذين قاموا بالمهمة الأولى أي سبي بني إسرائيل بأنهم قوم من أهل العراق، و أن الثانية معطوفة على الأولى فالقوم نفس القوم في الأولى و الثانية التي ستحصل في المستقبل.
أصحاب المدرسة الثانية انقسموا بين مقر بحصول الحالة الأولى فقط بينما الثانية لم تحصل بعد، و بين من قال أن الحالتين حصلتا و انتهى الأمر إلا إذا عادوا إلى فعلتهم فسيسلط اللّه تعالى عليهم من يخزيهم و يذلهم مرة أخرى و استندوا إلى قوله تعالى: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ
(1) لمزيد من تفاصيل هذا الموضوع يمكن للقارئ الكريم الرجوع إلى كتابنا (القرآن منهل العلوم) ، التفسير و التأويل، ص 100.