تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهل المشهد، دلف الجارود أمام النبي، صلى الله عليه وسلم وحسر لثامه وأحسن سلامه، ثم أنشأ يقول: يا نبي الهدى أتتك رجال قطعت فدفدا وآلا فآلا، وطوت نحوك الصحاصح طرا لا تخال الكلال فيك كلالا، كل دهماء يقصر الطرف عنها أرقلتها قلاصنا إرقالا وطوتها الجياد تجمح فيها بكماة كأنجم تتلالا، تبتغي دفع بأس يوم عبوس أوجل القلب ذكره ثم هالا، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فرح فرحا شديدا، وقربه وأدناه، ورفع مجلسه وحباه، وأكرمه، وقال: يا جارود، لقد تأخر بك وبقومك الموعد، وطال بكم الأمد. قال: والله يا رسول الله، لقد أخطأ من أخطأك قصده، وعدم رشده، وتلك وأيم الله أكبر خيبة، وأعظم حوبة، والرائد لا يكذب أهله، ولا يغش نفسه. لقد جئت بالحق، ونطقت بالصدق، والذي بعثك بالحق نبيا واختارك للمؤمنين وليا، لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول، وطول التحية لك والشكر لمن أكرمك وأرسلك، لا أثر بعد عين، ولا شك بعد يقين. مد يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله. قال: فآمن الجارود، وآمن من قومه كل سيد، وسر النبي صلى الله عليه وسلم بهم سرورا، وابتهج حبورا، وقال: يا جارود! هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسا،؟ قال: كلنا نعرفه يا رسول الله! وأنا من بين قومي كنت أقفو أثره وأطلب خبره: كان قس سبطا من أسباط العرب، صحيح النسب، فصيحا إذا خطب، ذا شيبة حسنة.

عمر سبعمائة سنة، يتقفر القفار، لا تكنه دار، ولا يقره قرار، يتحسى في تقفره بيض النعام، ويأنس بالوحش والهوام، يلبس المسوح ويتبع السياح على منهاج المسيح، لا يفتر من الرهبانية، مقر لله بالوحدانية، تضرب

اخلاق النبي محمد صلي الله عليه وسلم · الصفحة ١١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

اخلاق النبي محمد صلي الله عليه وسلمص ١١٣