هذا الرجل يشتري الأرقاء من أواسط أفريقيا، ثم يأتي بهم لتونس، ومن هناك يرسلهم إلى مالطة فيجبرهم على تغيير الإسلامية واعتناق الديانة النصرانية، وبعد أن يعلمهم فيها ويصيرهم أساقفة يدعوهم «الآباء البيض» ويبعث بهم إلى أواسط أفريقيا ثانية لأجل إلزام أقرانهم وإخوانهم بترك ديانتهم والاقتداء بهم في التمذهب بالنصرانية، وقد اشترى عربات لدفن الموتى وخيولا وبغالا ثم باع ذلك كله بأثمان باهظة إلى القومسيون البلدي في تونس فأصاب من ذلك ربحا عظيما. ومما يحكى عنه أيضا أنه منذ ست أو سبع سنوات كان له كروم يقوم بها رجل من الفلاحين، ويعتني بشأنها، فطرده ووضع قسيسا في محله، ولجهل هذا بأمور الزراعة والعناية بالكرم فسد العنب، ولم يأت بالخمر المعتاد الحصول عليه، فغضب لافيجري على القسيس المتفلح وعاقبة بعقوبة غريبة؛ إذ ألزمه برعي الغنم والمواشي في ضواحي سيدي بوسعيد في المرسى. وأسس مدرسة سان شارل ثم باعها للحكومة في تونس بربح عظيم جدا، وله في الجزائر مزروعات من الخرشوف والكروم يستغلها كأنه رجل من الأهالي ليس منقطعا للدين وخدمته.
وأهم المزايا التي في هذا الرجل أنه على درجة عظيمة من الفهم والعرفان، وأنه متحصل على رتبة الدكتورية في اللاهوت والطب والحقوق والعلوم والفلسفة، وإذا خطب خلب الألباب وتملك العقول ولعب بالأفكار كيفما شاء، وفي وجهه سماحة وبشاشة تغران الإنسان ولا تخبرانه بما انطوى عليه من سوء المقاصد ورذيل السجايا، والحق أنه تاجر لا خادم للديانة، وإذا عاداه أحد أشهر عليه الحرب العوان، وواصل عليه الطعان حتى لا يكون له مخلص منه ولا مناص. وقد أرسل رجلا من أشياعه إلى مالطة وعينه في وظيفة دينية على شرط أنه يخصص له نصف وظيفتها ودخلها، فتم الأمر، ولكن الرجل كان معه تعليمات سياسية أخرى، فلم يتبصر في كيفية إنفاذها، ومما يدل على ذلك أنه قام ذات يوم على مائدة جمعت كثيرا من الناس، ثم رفع الكأس قائلا لتحي الجمهورية الفرنساوية، فطردته الحكومة الإنكليزية منها.
وقد رويت لي أشياء كثيرة أجتزئ عنها، ففيما سبق كفاية.
| هوامش