تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذه الصعوبات وتلك المشاق كان يزداد طلاب العلم كل يوم رغبة فيه وتهافتا عليه، ولم يثنهم عنه قلة أرزاقهم، ومضايق الزمن، ووعورة الطرق، وصعوبة الطلب، ودل العلماء.

غير أن ما حدث إثر ذلك من اختلاف العلماء في الآراء، وانتشار مذاهبهم، وغلو أنصارهم، واتساع الأمصار الإسلامية، وامتداد سلطانهم، وتفرق الصحابة والتابعين، وغيرهم من حملة العلم في البلدان الشاسعة، والأصقاع المتنائية، وحدوث الفتن، وكثرة الفتاوى بلا علم ولا هدى اتباعا لأهواء بعض الأمراء وطمع بعض العلماء، كل هذا اضطر العلماء إلى تدوين محفوظاتهم، وكذلك حملهم على التدوين اشتغالهم بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفصول، وتكثير المسائل بأدلتها، وإيراد الشبه بأجوبتها، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات، وتبيين المذاهب والاختلافات، وغير ذلك مما ذكره العلماء. ومما دفع العلماء إلى التدوين: رغبة الأمراء في التعلم والتأدب، وعدم استطاعة بعضهم حضور مجالس العلم، ورغبتهم كذلك في تأديب أولادهم، وخوفهم من فقدان العلماء بسفر أو بموت أو بسبب آخر، وقد كان أكثرهم رحالة، وكذلك رغبة العلماء أنفسهم في تعليم أولادهم وأفلاذ أكبادهم وخشيتهم الموت قبل إتمام ذلك.

وأنتم تعلمون أن كتبا كثيرة دونت في الإسلام برسم الأمراء، وبرسم أبنائهم، وبرسم أبناء العلماء، وأمثال ذلك كثير استفاضت به كتب التاريخ والأخبار، ومن هذه الكتب: كتاب «ألف با» الذي ألفه أبو الحجاج البلوي لابنه، وهو كتاب ممتع في الأدب، وكتاب «واسطة السلوك» للسلطان أبي حمو نعمراسن، المطبوع في تونس، المترجم إلى اللغة الإسبانية، وطبع في مدريد، وكتاب طبيب الحجاج الذي ألفه لابنه.

فابتدأ التدوين منذ القرن الأول للهجرة، ولكنه كان ضئيلا لا يذكر، وكثر وازداد في أواخر القرن الثاني أيام الترجمة والنقل واشتغال العلماء بفنون الأدب والحكمة، وسنتكلم على النقل والترجمة بالتفصيل.

ولقد اختلف العلماء في أول من صنف في الإسلام، ولكننا لو اعتبرنا وضع الإمام علي بن أبي طالب وأبي الأسود الدؤلي لقواعد علم النحو تدوينا ، كانا أول من دون في الإسلام، وقد قيل إن أبا الأسود توفي سنة 60ه، وقال ياقوت: «كان نصر بن عاصم الليثي النحوي فقيها عالما بالعربية من قدماء التابعين، وكان يسند إلى أبي الأسود الدؤلي، توفي سنة 89 هجرية، وضع كتابا في العربية.»

وأول من دون في الطب والحكمة - على ما قيل - هو طبيب الحجاج بن يوسف الثقفي المتوفى سنة 90ه، وله كتاب كناس كبير ألفه لابنه، وكتاب أبدال الأدوية، وكيفية دقها وإيقاعها وإذابتها، وشيء من تفسير أسماء الأدوية، فعلى هذه الروايات يكون هذان العالمان من أوائل من دونوا في الإسلام.

ومن أول من دون في الحديث في الإسلام الإمام مالك بن أنس، عالم المدينة ومفتيها، صاحب كتاب الموطأ في الحديث.

وبعد ذلك اتسع النطاق، وفاض بحر العلم، حتى وصلت الحضارة الإسلامية بفضل أهله إلى الذروة القصوى والمكانة العليا.

الحضارة الإسلامية · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحضارة الإسلاميةص ٤٢