ومن مشهوري الحفاظ بالأندلس أبو حيان، ومحفوظاته ومروياته ومؤلفاته من أعجب الأعاجيب، وكان يفتخر بالبخل، ولا يقتني كتابا واحدا، بل يعيب على مشتري الكتب، ويقول: «الله يرزقك عقلا تعيش به، أنا أي كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف، وإذا أردت من أحد أن يعيرني درهما ما أجد ذلك.»
وأما الشعراء والرواة الذين حفظوا أشعار العرب ودواوين المتقدمين فهم كثيرون أيضا، ومنهم: أبو نواس ، لم يقل الشعر حتى حفظ ثلاثين ديوانا - فيما أذكر - للشواعر من نساء العرب، ولا نذكر الأصمعي وأمثاله، فهم أشهر من نار على علم، وإنما نقول هذه المزية اشترك فيها أهل الأندلس أيضا، وحسبنا التنويه بذكر ابن عبد ربه، كان أيسر محفوظاته كتاب الأغاني، لا يخطئ منه واوا ولا ألفا، وناهيك بكتاب الأغاني، وهذه المسألة العجيبة مشروحة في كتاب عبد الواحد المراكشي، وتستحق أن يرجع إليها أهل الأدب والطالبون للوقوف على أحوال الأكابر في عصر الإسلام الزاهر.
ومن غرائب الحفاظ ما يروى من أن الإمام الجليل أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي كان إذا نظر في كتاب وضع يده فوق السطور التي تلي السطر الذي يقرؤه؛ خوفا من أن تمر عليها عينه فتعلق بذهنه، فإنه ما كان ينظر شيئا إلا حفظه، وهو القائل:
علمي معي حينما يممت ينفعني
صدري وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي
أو كنت في السوق كان العلم في السوق
ومما يدل على عناية العلماء بالحفظ واعتمادهم عليه قول الإمام أبي محمد علي بن حزم الظاهري المتقدم ذكره:
إن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس إذ هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي
وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
وليس هذا الأمر بغريب أو بعيدا إذا اعتبرنا أن أهل الشرق على العموم لهم سليقة غريبة في الحفظ، وكانوا يزيدونها قوة بالممارسة والرياضة، وقد اشتهر هذا الأمر عن كثير من نوابغ الإفرنج المتقدمين والمتأخرين، فلا محل للشك فيما رواه الثقات من علماء المسلمين، وإنما يتطرق إلينا الوهم بأن هذه المرويات هي من باب المبالغات الشرقية، نظرا لانحطاط الهمم والقعود عن الكسب والتحصيل، فصرنا نقيس المتقدمين على أنفسنا.
هؤلاء بعض أئمة الحفاظ من علماء القرون الأولى، ومما ذكرناه عنهم يعلم القارئ أن كل اعتمادهم في تلك العصور إنما كان على الحفظ، لا على الكتب، وأن حوافظهم كانت لا تزال قوية كما كانت في عصر الجاهلية؛ وذلك لقرب ما بين الزمنين ، ولبقية بقيت فيهم من تلك الآثار والأخلاق التي قوت فيهم ملكة الحفظ.
ومما يؤيد هذه الروايات ما اشتهر به بعض علماء أوروبا في القرنين الماضيين من كثرة الحفظ المدهش، وهم كثيرون، نكتفي منهم بذكر أمير قيل إنه أكب على قراءة الإنسكلوبيديا، وابتدأ يحفظها من لدن الجزء الأول حتى بلغ الجزء العشرين، وبقيت هذه الأجزاء في ذاكرته حتى مضى على قراءته إياها خمسون عاما، وقراء الإنسكلوبيديا يعرفون اختلاف موضوعات كل جزء منها ومقدار صعوبتها على الحفاظ، مما يدل على مقدار ذلك الرجل النادر المثال.
وكثير من علماء الإسلام في القرون الأولى كانوا جوالين في البلاد لطلب العلم الشفهي بعضهم من بعض، وكانت هذه سنتهم في تلك العصور، يستوي فيهم الطالب والمطلوب منه، غير أن طلب العلم على تلك الصورة الشفهية إذ ذاك كان صعبا لوعورة الطرق وعدم المراكب البخارية، وغيرها من مسهلات الطرق، فكان غير ميسور لكل طالب إلا لمن استطاع أن يضرب له أكباد الإبل، ويكابد المشقات الشديدة في الرحلة إلى الأصقاع البعيدة والأمكنة الشاسعة.
فقد كان طلاب العلم وقتئذ يقتحمون عقبات صعبة، ويعانون في سبيله ما لا يكاد يوصف، ولا بأس من إيراد حكاية هنا تدل على ذلك، وهي أن طالبين رحلا من أقطار بعيدة إلى بغداد - فيما أذكر - لطلب علم الطب عن نصراني، فاتفق يوم قدومهما بغداد أن كان ذلك العالم في الكنيسة، فتوجها إليه للقائه، فوجداه بقميص واحد مكشوف الرأس، يدور حول جدار الكنيسة من داخلها وفي يده نار ببخور، فلبثا حتى فرغ، فإذا به قد توسم فيهما دلائل الاستغراب والاستنكار، فبعد أن سألهما عن أحوالهما وما قصداه منه قال لهما: «لا أستطيع أن أعلمكما حتى تحجا وتعودا إلي.» فلم يريا بدا من امتثال أمره، فذهبا إلى الحج، وبعد أن عادا من مكة قال لهما: «ماذا صنعتما في الحج؟» قالا: «كيت وكيت.» قال: «وما كانت حالكما في الصفا والمروة؟» قالا: «كنا نهرول فيما بينهما.» فقال لهما: «إذن لا تعجبا من الحال التي كنت عليها في الكنيسة وقت قدومكما، فإن الأمور الدينية يجب أن تؤخذ بالتسليم والقبول من غير اعتراض ولا انتقاد.» وبعدئذ علمهما ما قصداه فيه.