تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» هو الذي دعاني إلى زيارة صيدا، وذلك أنني سمعت منذ زمان وأنا في القاهرة أن ذلك الكتاب موجود عند أسرة مالطية في صيدا، فبذلت قصارى جهدي وأنا في القاهرة لنيله فلم أوفق، ولما ذهبت إلى الشام ذكرت الكتاب وموضعه فهممت ببلوغه، وعرجت على صيدا رجاء أن أناله، غير أنني بمزيد الأسف أخفقت في مسعاي، ولم أجد منه إلا مقدار ما هو عندي منه. ولم تفتني رؤية صيدا نفسها، فرأيت فيها آثارا تدل على أنها كانت محصنة منيعة، فهدم السلطان صلاح الدين الأيوبي في الحروب الصليبية أسوارها وحصونها؛ خوفا من امتلاك الصليبيين إياها وتحصنهم فيها، ولكن بقاياها تدل على منعتها، فإن شوارعها متعرجة، وكلها مبنية بالحجر الجلمود على هيئة القبو، وقد يدخل نصف القبو في المساكن لتكون الشوارع ضيقة فلا يتمكن العدو من امتلاكها، على فرض أنه دخلها وامتلك أسوارها.

| المحاضرة السابعة: ثلاثة أجوبة

أيها السادة، إنما العصمة لله ولكتاب الله، فليس لإنسان مهما ضرب في العلوم بسهام نافذة، وكان أوفر الناس عقلا وأدقهم بحثا وتنقيبا وأعلاهم كعبا، أن تدفعه الأماني إلى طلب تلك العصمة، فالخطأ لا بد منه لكل إنسان، ولم يسلم منه إمام من أئمة سلفنا الصالح على علو منازلهم وجليل أقدارهم، وحسبنا أسوة من هؤلاء الأجلاء الإمام الفقيه مالك بن أنس، عالم المدينة الذي كانت العلماء تنكمش في حضرته في أركان ثيابهم، فإنه جمع في موطئه ستمائة ألف حديث، ثم تخير منها ستمائة فقط، وقد ذكر الإمام الشافعي عالم مكة - رضي الله تعالى عنهما - هذا الموطأ فقال: «هو أكثر الكتب صوابا.» «فأثبت» له الخطأ مع ذلك التحري والتمحيص من صاحبه.

والذي يفضل به بعض الناس بعضا إنما هو قلة الخطأ، والرجوع إلى الصواب متى وضحت محجته وأضيئت منارته، والإنسان لا يعلم أنه مخطئ حين يخطئ، وإلا لما أخطأ؛ فإن إنسانا أوتي ذرة من العقل لا يرضى لنفسه النقص، فلا بد من أن ينبه بعض الناس بعضا إلى الخطأ.

هذا والعلوم النقلية التي تصدرنا للكلام في فرع منها، وهو الحضارة الإسلامية، لا مجال للعقل فيها اللهم إلا في الاستنباط، ونحن نجمع أشتات محاضرات هذه الحضارة من كل ما كتب فيها باللغتين العربية والفرنسية إلا قليلا مما يجوز أننا لم نظفر به، ولا نروي من هذه الكتب إلا كلام الثقات.

ولقد نبهني منبه في صباح هذا اليوم إلى رسالة منشورة في «الجريدة» الغراء لصديق لي من الفضلاء، ينكر فيها أمرين مما جاء في المحاضرات الفائتة وفي خطبة افتتاح الجامعة؛ الأمر الأول: حقيقة ألف القنطار من الذهب التي دفعها ملك الروم إلى ملك الفرس ليرحل عن بلاده، والأمر الثاني: ثلاثة الملايين من المجلدات التي كانت في خزانة الكتب بطرابلس الشام.

وكذلك سألني سائل منكم بيان حقيقة الحروب الإسلامية، وأنها مدينة استعمارية، فلم أر بدا من الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة لإيضاح ما خفي منها.

فلبيان الأمر الأول نقول إن الروم والفرس والعرب قبل الإسلام كانوا يستعملون الدرهم والدينار، وهما من الموازين، فالمراد بالدينار وزن دينار من الذهب، والمراد بالدرهم وزن درهم من الفضة، والذي أنشأ هذه السكة بادئ الأمر الروم، ثم حذا حذوهم فيها الفرس فضربوا مثلها، أما العرب فإنهم ما زالوا يستعملون السكة الرومية والفارسية ويعتبرونها رسميا حتى زمن عبد الملك بن مروان الأمير الأموي، وولايته من سنة 65 إلى سنة 86ه؛ إذ أوعد من لم يستعمل الدنانير العربية بأشد العقوبات؛ فلم تنتشر المسكوكات العربية في الأقطار الإسلامية بدل المسكوكات الرومية والفارسية إلا في القرن الثاني. ولقد دون لنا علماء اللغة والأدب فيما دونوا لنا من أخبار العرب وآدابهم في الجاهلية وصدر الإسلام قبل أن تنتشر المسكوكات العربية ما استعملته الأمة العربية من الدرهم والدينار ومضاعفتهما، ومنها القنطار، ولقد اختلف العلماء في تقديره، غير أنهم نصوا على أن المعول عليه في الأكثر عند العرب أن القنطار أربعة آلاف دينار، فإذا قدرنا ما دفعه الروم للفرس ليجلوهم عن بلادهم بالتقدير العربي، باعتبار أن المؤرخ الذي نص عليه عربي، وباعتبار أن العرب كانوا يتعاملون بالمسكوكات الرومية والفارسية حتى القرن الثاني، فإذا لم يكن التقدير بعينه كان قريبا منه؛ إذا قدرنا ذلك قلنا: القنطار الواحد يزن (4000) أربعة آلاف دينار، فألف القنطار تزن (4000000) أربعة ملايين من الدنانير، والدينار يزن (4) أربعة جرامات و0,414 جزءا من الألف من الجرام، فللتقريب نقول إنه يزن (4) أربعة جرامات ونصف جرام، ومعلوم أن الجنيه الإنكليزي يزن (7) سبعة جرامات و98805 أجزاء من الجرام، وللتقريب نقول إنه يزن (8) ثمانية جرامات، فإذا حولنا هذا المقدار (وهو (4000000) أربعة ملايين من الدنانير باعتبار الوزن) إلى جنيهات إنكليزية بلغ 250000، وهو ليس بالشيء الذي يستكثر في علاقات الدول، بل هو أقل من ثروة أفراد كثيرين موجودين الآن في مصر وأوروبا وخصوصا أمريكا، ولكن لو اعتبرنا أن الحساب يجب أن يكون بالتقدير الرومي لأن دولة الروم هي التي دفعت الغرامة، فيكون القنطار هو المصطلح عليه في نقودهم بالتالنت

الحضارة الإسلامية · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحضارة الإسلاميةص ٢٥