تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعلي، أيها السادة، أبلغ ما قصدته من رحلتي هذه القصيرة، وهو أن يضم المسافر منا إلى رياضته علما جديدا، فإن الرياضة تحدث بانتقال الإنسان من عمل إلى عمل، فإنني إنما أردت بسفري بادئ الأمر أن أفر من كثرة الأعمال التي أثقلت كاهلي، فكادت تنوء به لولا رحمة من الله، وبقية من الصبر والجلد، وأبت نفسي اللوامة إلا أن تكون الرحلة إلى أول قاعدة لملك الأمويين لدرس معالمها وتفهم تاريخها من آثارها، فساقتني إليها رغم أنفي، ولكني - والحمد لله - غنمت غنمين: غنم الرياضة، وغنم التوسع في علمي القليل.

ولعلي كذلك أكون بسفري هذا حاضا لكم على الرحلة في طلب العلم وأسوة لمن يجيء جامعتنا المصرية من سائر البلاد المصرية لحضور محاضرة أو أكثر، ولمن يأتيها في مقبل أيامها من سائر أقطار المعمور.

أراني بذكرى دمشق قد أحدثت في أنفس لكم رغبة في السؤال عن اختصاصي دمشق بتلك الرحلة التي جاءت على عجل، ولكنني أثق بأن تلك الأنفس لو رجعت إلى المحاضرات الفائتة وأطالت النظر فيها لعرفت السر في هذا الأمر الذي تريد أن تسأل عنه، ذلك أننا ألممنا إلماما ما في تلك المحاضرات بأحوال البلاد العربية قبيل ظهور الإسلام، وأحوال الأمة العربية بعد ظهور الإسلام، وبأحوال أضخم الممالك عند ظهوره، وانتشار الإسلام والحروب الإسلامية وبغير ذلك من الأمور العامة، ثم تخطينا عصر النبوة؛ لأنه عصر ديني محض، شغل بإعلاء كلمة الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كما قلنا قبلا، وكذلك تركنا عصر الخلفاء الراشدين الذي احتذى في بعضه عصر النبوة حذو القذة بالقذة، وشغل بعض آخر بالفتن الأهلية والحروب الداخلية، وأقبلنا إثر ذلك إلى عصر الأمويين، الذي هو مبدأ الحضارة الإسلامية، وفيه بالغ الملوك والسوقة في الترف والنعيم حتى نسوا أوامر الدين الحنيف ونواهيه.

فذلك الإقبال اضطرنا إلى زيارة أول قاعدة لذلك الملك العضوض لنرى منشأ الحضارة الإسلامية ومصدرها، وكانت تلك القاعدة هي دمشق الشام، التي هي بيت القصيد من هذه المحاضرة.

دمشق هي قصبة الشام، قال ياقوت: «هي جنة الأرض بلا خلاف؛ لحسن عمارة ونضارة بقعتها، وكثرة فاكهتها، ونزاهة رفعتها، وكثرة مياهها.»

وقال أبو بكر الخوارزمي: «ومن خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها كثرة الأنهار بها، وجريان الماء في قنواتها، فقل أن تمر بحائط - يعني بستانا - إلا والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، وما رأيت بها مسجدا ولا مدرسة ولا خانقاه إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان ويسيح في منصته، والمساكن بها غزيرة لكثرة أهلها والساكنين وضيق بقعتها. ولا تزال دمشق إلى الآن على هذه الحال.»

وفي دمشق من قبور الصحابة والتابعين وأهل الخير والصلاح ودورهم المشهورة بهم ما ليس في غيرها من البلدان، وهي معروفة للآن، وبعضها يزار في ميدان الحصى قبلي دمشق. قيل إن أكثر مقابر الصحابة والتابعين حرثت وزرعت في أول دولة بني العباس؛ فدرست قبورهم، فلما رأى ذلك أهل دمشق عز عليهم أن تخلو بلادهم من تلك المقابر، فادعوا وجود مقابر غيرهم من الصحابة والتابعين، وليس لهم فيها أثر، وإنما أكثرهم دفن في المدينة المنورة.

فتح المسلمون دمشق في رجب سنة 14ه بعد حصار وطعان، وكان قد نزل على كل باب من أبوابها أمير من أمراء المسلمين، فصدهم خالد بن الوليد من الباب الشرقي حتى افتتحها عنوة، فأسرع أهل البلد إلى أبي عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وكان كل منهم على ربع من الجيش، فسألوهم الأمان، فأمنوهم وفتحوا لهم الباب، فدخل هؤلاء من ثلاثة أبواب بالأمان، وانتهوا إلى نصف كنيسة يوحنا، ودخل خالد بالسيف، فانتهى إلى نصف الكنيسة الآخر، فصنع المسلمون نصف الكنيسة الذي دخلوه عنوة مسجدا، وبقي النصف الذي صالحوا عليه كنيسة، ثم وسع ذلك المسجد بعدئذ عبد الملك بن مروان، أحد ملوك بني أمية، وكان مشهورا بعمارة المساجد بصيرا بها، فأدخل فيه الكنيسة، وعرف من ذلك الحين بمسجد بني أمية.

الحضارة الإسلامية · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحضارة الإسلاميةص ١٧