قام النبي العربي بالتوحيد في السياسة، وفي الدين، وفي اللغة، فبذل همته في توحيد بلاد العرب من الوجهة السياسية، وتوصل إلى شيء كثير من تحقيق هذا المطلب قبل أن ينتقل إلى الدار الأخرى، فجعل العرب أمة واحدة بعد أن كانوا أشتاتا بعضهم لبعض عدو، وهي المزية الكبرى التي لم تبلغها هذه البلاد منذ الخليقة، مزية لا يسع المنصف إلا أن يقف أمامها في موقف الإعجاب والإكبار؛ إذ ترتب عليها ظهور العرب ذلك الظهور، وقيامهم بتلك الحركة العجيبة الخصبة التي أعقبتها حضارة الإسلام.
إن كانت هذه المزية مما لا يذكر له مثال سابق في التاريخ، فهنالك مزية أكبر وأفخم، وأعني بها مجيء محمد - عليه الصلاة والسلام - بالقرآن، نترك الكلام على هذا الكتاب المقدس من الوجهة الدينية، وننظر إليها من الحيثية البشرية، فلقد أجمع أهل الرأي من أفاضل الإفرنج - وإن كنا في غنى عن هذه الشهادة - بأن القرآن هو الأساس الأول الذي أقيمت عليه معالم الحضارة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، هذا هو القرآن الذي أصبح بعد انتشار الإسلام إماما للأمم الكثيرة المتنوعة التي سردنا أسماءها، بحيث دعتهم الحاجة إلى حفظه وتفهمه أن يضعوا قواعد النحو وأن يدونوا علم اللغة؛ ولذلك اجتهد السلف من هذه الأمة في جمع أشعار العرب القديمة والمعاصرين له لمعرفة مفرداته وغريبه.
لأجل حفظ القرآن وكتابته طلب النبي
صلى الله عليه وسلم
إلى من لا يستطيع أن يفدي نفسه بالمال من أسارى بدر أن يفتدي نفسه بتعليم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة.
لأجل فهم قواعد الدين من القرآن وضع المسلمون علم العقائد، ثم علم الكلام.
لأجل استخراج الأحكام من القرآن وضعوا علم الفقه.
لأجل معرفة الحوادث المنصوص عليها في القرآن عنوا بعلم التاريخ.
لأجل معرفة المواقع المذكورة في القرآن اهتموا بعلم الجغرافية.
ثم تسلسلت العلوم والمعارف بينهم حتى دخلت الفلسفة في عصر العباسيين، فترجموا كتبها ثم اشتغلوا بها وبرعوا فيها. نعم إن الإسلام وحد اللغة أيضا ثم نشرها وجعلها بمثابة لغة عمومية يعرفها كل مسلم، والمسلمون هم ثلث أهل الأرض، وهي مزية لم تبلغها لغة من اللغات، ولم يتوصل إلى هذه المزية النادرة في بابها بغير القرآن.
يعلم القراء الكرام أن هذه المحاضرات الثلاث لعزتلو المفضال أحمد زكي بك، أستاذ الحضارة الإسلامية خطب طلبة الجامعة إياها قبل عطلة عيد الأضحى المبارك، التي بدأها بسفره إلى دمشق الشام، قاعدة ملك الأمويين؛ لدرس آثارها وتفهم ما فيها، ولترويض النفس من عناء الأعمال (وما أكثرها لديه)، ولم يحضر حتى يوم طبع القسم العربي من هذا الجزء، وقبل سفره ترك لمجلة الجامعة تلك المحاضرات في أوراق مبعثرة، كتب بعضها بخط يده، قد تصعب قراءته في بعض المواضع، وكتب بعضا آخر بخط ناسخ له حرف كلما عن مواضعه، فتحرينا الصواب فيها جهدنا، ولم نتمكن من عرضها عليه قبل الطبع لتغيبه، فنرجو إن شاء الله أن تكون كما يريد الأستاذ الجليل.
| المحاضرة الخامسة: قاعدة ملك الأمويين
أيها السادة، كان سلفنا الصالح - رضي الله عنهم - على بعد الأمكنة، ووعورة الطرق، وعدم ممهداتها ومذللات عقباتها من المراكب البخارية والكهربائية البرية والبحرية التي هي من أكبر عوامل انتشار المدنية الآن. كان سلفنا الصالح على تلك الحال يطوون الأباطح والجبال والكثبان والآكام لطلب مسألة واحدة من العلم، يطلبها النابغة في علمه من عالم آخر نبغ فيما يسأل فيه، وبذلك أقيمت صروح العلم في القرون الأولى، وخفقت أعلامه، وصعب تصدر العلماء للتعليم إلا من راض نفسه، وملأ رأسه، وأعد لمنزلته السامية ما استطاع لها من قوة.
وإذ إن الجامعة المصرية إنما أنشئت لإحياء ذكرى معاهد العلم والقائمين بها في تلك الأعصر الخالية التي هي من مفاخر الشرق كافة والإسلام خاصة، أردت - وأنا واحد من أساتذتها - أن أحيي أكبر سنة من سنن سلفنا الصالح، وهي الرحلة في طلب العلم لاقتناص فوائده وجمع شوارده بالبحث والمشاهدة ومشافهة أهل الذكر، فاغتنمت فرصة عطلة عيد الأضحى المبارك؛ لأضم فيها إلى علمي الكتابي الضئيل علما حسيا أشاهده بعيني وأسمعه بأذني، وما كان في حسباني أن يمتد بي الزمن إلى هذا اليوم فأضيع على نفسي وعليكم الأسبوع الفائت برمته، لولا أن عاقني الشغف بالعلم وحب التفهم إلى ذلك، وشجعني عليه ثقتي بأنني - إن شاء الله - سأتدارك ما فات وأعوضه.