تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما علاقته بالتمثيل فكانت قوية منذ الصغر؛ فقد ملك عليه هذا الفن جوارحه واستهوى قلبه، وساعد ميله هذا نموا وازدهارا تردده على «جوق» الشيخ سلامة حجازي لمشاهدة رواياته، وبلغ من شدة تعلقه بهذا الفن أن ألف فرقة تمثيلية عائلية كان هو بطلها ومؤلفها التمثيلي.

وكان نثره في هذه المرحلة من حياته حسن الأسلوب يتضمن موضوعات اجتماعية وأخلاقية تنبئ بمستقبل باهر في عالم الكتابة والتحرير، ولا ننسى في هذا المقام سلسلة مقالاته في الوطنية، وكذا مقالاته الانتقادية لعوائدنا السيئة، أما شعره فكان يتبع فيه أسلوب المتقدمين.

الطور الثاني: طور الانتقال (حياته في أوروبا)

قصد الفقيد «برلين» بعد التعليم الثانوي لتعلم الطب، ولكنه تركه لظروف خاصة، ثم سافر إلى فرنسا يدرس القانون متنقلا سنين بين باريس وليون. وكانت دراسته للقانون لا توافق مشاربه وأمياله؛ فكان يقضي جل وقته في المطالعات الأدبية الفرنسية نثرا ونظما.

وهذه السنون القليلة التي قضاها تيمور في أوروبا أثرت في تكوينه النفسي واتجاهه الأدبي؛ فقد كان عيشه في بيئة الحرية والديمقراطية والمساواة، في بيئة الاستقلال في الرأي والعمل والاعتماد على النفس، في بيئة الثورة الفكرية والعلم والنقد الصحيح ممزوجة بتلك المناظر الرائعة التي لم يألفها من قبل. وقد ظهر هذا التأثير في كتاباته نثرا ونظما. ومما ساعده على قيام ثورته الفكرية انصرافه بشغف شديد إلى المطالعة في آداب اللغة الفرنسية، وقد كان قلبه في ذلك الوقت غيورا على إصلاح المسرح المصري والأدب المصري؛ حيث رأى في فرنسا ما أعجبه وجعله يحس النقص الهائل والفرق العظيم بين أدبنا المصري والأدب الغربي؛ ولذا فقد غير كثيرا من مذاهبه القديمة التي أيقن بخطئها، وهذا أكبر داع جعله يهمل كتاباته في طوره الأول؛ لأن ما فيها من آراء قديمة يخالف مذهبه الجديد في طور انتقاله، ولأنها ليست في مستوى تفكيره الناضج الجديد.

وأهم ما كان يحلم بتحقيقه «تمصير الآداب» وجعلها تفيض بالصبغة المصرية والألوان المحلية، ودليلنا على ذلك ما نراه في رواياته المسرحية وقطعه النثرية من ظهور الروح المصرية بينة واضحة.

الطور الثالث

وبينما كان الفقيد بمصر يمضي بها إجازة الصيف؛ إذ أعلنت الحرب العظمى فلم يستطع العودة ليتم دروسه.

وقد بدأ مجهوده في التمثيل بانضمامه إلى جمعية أنصار التمثيل مع المرحوم الأستاذ عبد الرحيم، وقد ترأس هذه الجمعية بعد وفاة رئيسها ومؤسسها المذكور. وكانت حفلات السمر التي يقيمها النادي الأهلي في بدئها، فظهر فيها بإلقاء منولوجات تمثيلية من نظمه، فكان هذا بدء عمله كممثل.

بعد ذلك بدأ ينظم مقطوعات نظمية رقيقة، ولكن غرامه كان يملأ قلبه؛ فكان التفاته إليه أكبر وعنايته بنظم منولوجاته التمثيلية أهم. وكثرت حفلات السمر في النادي الأهلي ونادي الموسيقى ونادي موظفي الحكومة؛ فكانت لا تخلو حفلة منها من منولوج أو ديالوج للفقيد من نظمه وإلقائه. وقد طرق في صياغتها - عدا اختيار اللفظ السهل والموضوع المؤثر - المنهج الرومانسي في مفاجآته ومقالاته. وله العذر في ترسم هذا المذهب؛ لأنه يوافق أميال الجماهير المصرية في ذلك الحين؛ فلو اختط منهج الدراما (المأساة) أو «الكوميديا الحقة» (أي الهزل اللابس ثوب الحقيقة) لأسقط في يده ولم يفلح؛ لذا نراه يساير الجمهور لأنه كان لا يود أن يحول أميالهم فجأة إلى تيار جارف أمام مشاربهم الراسخة فيهم منذ القدم.

وكان أن اشتهر بين هواة التمثيل والقائمين به، وقد تجلت إذ ذاك ديمقراطيته العظيمة التي بدأت في المدارس الثانوية ونمت في فرنسا، ولقد كان كل شيء حوله يسهل له الاندفاع في تيار المسرح: الثراء والشغف والحرية الشخصية. ولكن والده كان غير راض عن هوية ولده، وطالما قضى محمد ليالي أليمة بسبب يعلمه من معارضة والده له في ميله إلى المسرح.

تاريخ الأسرة التيمورية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الأسرة التيموريةص ٩