تقدم في عبارة المقريزي تسميته برباط الآثار وهو اسمه المشهور الذي رأيناه مذكورا به في كل ما وقفنا عليه من كتب التاريخ، وسماه ابن دقاق في كتابه الانتصار لواسطة عقد الأمصار بالرباط الصاحبي التاجي نسبة إلى بانيه الصاحب تاج الدين ونقل عبارة ابن المتوج التي نقلها المقريزي عنه ثم بين ما به من الآثار بقوله: «قلت: وهو مسجد الآثار الشريفة اشتراها الصاحب تاج الدين من الشريف (...)
3
بمبلغ مائتين وخمسين ألف درهم وجعلها في خزانة في هذا الرباط وهي قطعة من العنزة
4
وقطعة من القصعة ومرود وملقط ومخصف ووقف على هذا المكان بستان المعشوق». ثم قال بعد ما ذكر ما وقفه الأشرف شعبان على هذا الرباط: «قلت: ذكرت مرة مسجد الآثار عند الشيخ الإمام العالم برهان الدين إبراهيم بن زقاعة الغزي
5
في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة فقال لي: إني استنبطت من القرآن آية في حق الآثار وهي قوله تعالى:
فانظر إلى آثار رحمة الله
وقرئت آثار
6
فأثر رحمة الله هو المطر ومدد النيل منه والمكان مطل على النيل وآثار رحمة الله هي آثار النبي
صلى الله عليه وسلم
بدليل قوله تعالى:
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
ولا يجتمع الأثر والآثار في سائر الدنيا إلا بمصر خاصة، فهذا أعظم فخر لها».
واستطرد ابن كثير في البداية والنهاية لذكر بعض هذه الآثار في كلامه عما ورد في المكحلة النبوية فقال: «وبلغني أن بالديار المصرية مزارا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي
صلى الله عليه وسلم
اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين فمن ذلك مكحلة وميل ومشط وغير ذلك، والله أعلم».
وذكر القلقشندي في صبح الأعشي الرباط والآثار في كلامه على الربط التي بالفسطاط بعبارة مختصرة قال فيها: «وأما الخوانق
7
والربط فلم تعهد بالفسطاط، غير أن الصاحب بهاء الدين بن حنا عمر رباط الآثار الشريفة النبوية بظاهر قبلي الفسطاط واشترى الآثار الشريفة، وهي ميل من نحاس وملقط من حديد وقطعة من العنزة وقطعة من القصعة بجملة مال وأثبتها بالاستفاضة وجعلها بهذا الرباط للزيارة». ا.ه. وقد وهم في قوله بهاء الدين؛ لأن باني الرباط ومشتري الآثار حفيده تاج الدين كما قدمنا وهو ما أجمع عليه المؤرخون. والظاهر أن الذي أوقعه في ذلك ما اشتهر من نسبة الرباط إلى أحد بني حنا، فذهب ظنه وقت كتابة هذه الجملة إلى أكبرهم وأولهم في الشهرة وهو بهاء الدين سهوا منه، وجل من لا يسهو، وقلده في هذا الوهم ابن إياس
8
بقوله في حوادث تولي الظاهر بيبرس على مصر سنة 658 ما نصه: «واستقر بالصاحب بهاء الدين بن حنا وزيرا بالديار المصرية. أقول: والصاحب بهاء الدين بن حنا هذا هو الذي بنى مكان الآثار النبوية المطل على بحر النيل واشترى الآثار الشريفة بجملة كبيرة من المال وأودعها في ذلك المكان الذي أنشأه على بحر النيل وصارت الناس يقصدون ذلك المكان بسبب الزيارة في كل يوم أربعاء» ا.ه. غير أنه أفادنا أن زيارة هذه الآثار كانت في تلك العصور كل يوم أربعاء.
وذكره البرهان الحلبي في حاشيته المسماة نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس، فقال: «وفي آخر مصر مكان على النيل مبنى محكم البنيان وله طاقات مطلة على النيل ومكان ينزل إليه وبركة من ماء النيل ومطهرة بماء النيل، وفيه خزانة من خشب وعليها عدة ستور الواحد فوق الآخر وداخل الخزانة علبة صغيرة من جوز فيها من الآثار الشريفة قطعة من قصعة وقطعة من العنزة وميل من نحاس أصفر ومخصف صغير وملقط صغير لإخراج الشوك من الرجل أو غيرها، وقد زرناه غير مرة، وهو مكان مليح في غاية النزاهة وما بعده إلا بساتين، وقد زرناه مرة فرآني الإمام جلال الدين ابن خطيب داريا الدمشقي بسوق كتب القاهرة، فسألني: أين كنتم؟ قلت: زرنا الآثار وكان معنا بعض الأدباء. فقال: هل نظم أحد في ذلك شيئا؟ فقلت: لا. فقال: أنا زرته من أيام وكتبت فيه بيتين، فأنشدني ذلك، وهما: