ولم يذكر ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية غير الرأي الثاني فقال: «قال الحافظ البيهقي: وأما البردة التي عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن إسحق بن يسار في قصة تبوك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراها أبو العباس عبد الله بن محمد بثلثمائة دينار، يعني بذلك أول خلفاء بني العباس، وهو السفاح رحمه الله تعالى، وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفا عن سلف». وهو قول الذهبي أيضا على ما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ونص عبارته: «وأما الذهبي فقال في تاريخه : أما البردة التي عند الخلفاء آل عباس فقد قال يونس بن بكير عن ابن إسحق في قصة غزوة تبوك: إن النبي
صلى الله عليه وسلم
أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراها أبو العباس السفاح بثلثمائة دينار». قال السيوطي: «فكأن التي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أمية». وقال القرماني: وقيل كفن فيها معاوية. وذكر ياقوت هذه البردة في معجم البلدان ولم يتعرض لخبر انتقالها إلى الخلفاء فقال في كلامه على أيلة: «ويقال إن بها برد النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكان وهبه ليحنة بن رؤبة
11
لما سار إليه إلى تبوك». وكذلك فعل المقريزي في خططه والجزيري في درر الفرائد المنظمة في ذكراه أن من بها من اليهود يزعمون أن عندهم برد النبي
صلى الله عليه وسلم
الذي وجه به إليهم أمانا لهم، وأنهم يظهرونه رداء عدنيا ملفوفا في الثياب، وقد أبرز منه مقدار شبر لئلا تدنسه الأيدي.
والخلاصة: أن البردة العباسية إما أن تكون بردة أيلة بقيت عند أهلها إلى أن اشتراها السفاح بثلثمائة دينار، أو إلى أن انتزعها منهم عامل مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين وحملها إليه، ثم صارت من بعده للعباسيين، وإما أن تكون البردة الكعبية التي اشتراها معاوية (رضي الله عنه)، ثم حفظت عند بني أمية حتى ورثها منهم العباسيون، وأكثر المؤرخين على هذا الرأي، وقد فصل المسعودي في مروج الذهب خبر مصير البردة والقضيب إلى بني العباس بما لم نره لغيره من المؤرخين، فذكر ما كان من فرار مروان بن محمد بن العباسيين إلى مصر، وأنهم لحقوه بها، وقد نزل بوصير فهجموا عليه وقتلوه، ثم رأوا خادما له شاهرا سيفه يحاول الدخول إلى بناته، فأخذوه وسألوه عن أمره، فقال: أمرني مروان إذا هو قتل أن أضرب رقاب بناته ونسائه، فلا تقتلوني فإنكم والله إن قتلتموني ليفقدن ميراث رسول الله
صلى الله عليه وسلم . فقالوا له: انظر ما تقول، قال: إن كذبت فاقتلوني، هلموا فاتبعوني، ففعلوا فأخرجهم من القرية إلى موضع رمل فقال: اكشفوا هنا فكشفوا فإذا البرد والقضيب ومخصرة
12
قد دفنها مروان لئلا تصل إلى بني هاشم، فوجه بها عامر بن إسماعيل إلى عبد الله بن علي، فوجه بها عبد الله إلى أبي العباس السفاح، فتداولت ذلك خلفاء بني العباس.
مصير البردة والقضيب
ذكر ابن الزيات في الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة بالقرافتين الكبرى والصغرى قبرا اشتهر بأنه قبر صاحب البردة، واستطرد في الكلام عليه لذكر البردة النبوية فقال: «قال ابن عثمان: هو صاحب البردة يعني بردة النبي
صلى الله عليه وسلم ، وذلك غير صحيح، قال المؤلف: وبردة النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغنا في آثار النبي
صلى الله عليه وسلم
التي دخلوا بها إلى مصر أن فيها بردة غير البردة التي في أيدي بني العباس، وهي موجودة عندهم إلى الآن، ولم يذكر علماء التاريخ أنه دخل إلى مصر من الصحابة ممن له بردة من اسمه صاحب البردة. وآثار النبي
صلى الله عليه وسلم
مثبتة عند العلماء، ويحتمل أن تكون هذه البردة بردة رجل من الصالحين» ا.ه. وإنما نقلنا هذه العبارة لبيان ما فيها من الوهم، فإن وفاة ابن الزيات كانت سنة 814، وقوله عن البردة: «وهي موجودة عندهم إلى الآن» يفيد بقاءها بأيديهم إلى عصره، والصحيح أنها فقدت قبل ذلك بقرن ونيف، ولعله نقل هذا القول عن مؤرخ قديم كانت البردة في زمنه عند الخلفاء، وسها عن التنبيه عليه.