تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

الفهري المغربي السبتي المالكي المسماة: «ملء العيبة مما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة» يتلخص في أنه قصد زيارة هذه النعل بالمدرسة الأشرفية المذكورة للتبرك بها والاستشفاء من مرض أصابه فوجد بركتها، ورأى بالمدرسة بيتين بنيا في قبلتها أحدهما عن يمين المحراب به نسخ من المصاحف، والآخر عن يساره فيه النعل الكريمة، وهي فردة واحدة، وقد جعل لهذا البيت باب مصفح بالنحاس الأصفر كأنه صفائح ذهب، وعلق عليه كلل حرير ثلاث خضراء وحمراء وصفراء، ووضعت النعل الكريمة على كرسي من آبنوس، ثم وضع على النعل لوح من آبنوس، ونقر في وسط اللوح بمقدار ما ظهرت النعل منخفضة عن اللوح بمقدار النقر، ولا شك أنه بقي منها تحت أطراف اللوح مقدار ما ثبت به تحت اللوح وما أخذته المسامير التي طوقت به فإن الدائر المحيط بها كله مكوكب بمسامير فضة ويملأ ذلك الظاهر منها الذي هو منقور عليه بأنواع الطيب حتى إن الذي يلثمها يتمرغ فمه في طيبها، وقد وكل بها قيم له عليها مرة بلغنا أنه أربعون درهما ناصرية، وأمر بفتحها يوم الإثنين ويوم الخميس للناس للتبرك بلثمها. ا.ه.

ثم ذكر المقري أيضا أن هذه النعل الشريفة كانت عند أم المؤمنين ميمونة بنت الحارس الهلالية (رضي الله عنها) مما تركه النبي

صلى الله عليه وسلم

فتوارثها ورثتها من بعدها إلى أن وصلت إلى بني أبي الحديد

8

وما زال يتوارثونها إلى آخرهم موتا، وأنه ترك ثلاثين ألف درهم وترك تلك النعل وولدين له فتراضيا على أن يأخذ أحدهما المال ويأخذ الآخر النعل الشريف فصار يذهب بها إلى أرض العجم ويفد على الملوك فيتبركون بها حتى رجع إلى خلاط فطلب منه الملك الأشرف ابن العادل أن يقطع له منها قطعة يتبرك بها، ثم رجع عن ذلك إلى أن آلت إليه وجعلها في دار الحديث التي ابتناها بدمشق ومما أنشده للحافظ ابن رشيد الفهري في هذه النعل أنه زارها بالأشرفية:

هنيئا لعيني إن رأت نعل أحمد

فيا سعد جدي قد ظفرت بمقصد

وقبلتها أشفي الغليل فزادني

فيا عجبا زاد الظما عند مورد

فلله ذاك اللثم لهو ألذ من

لما شفة لميا وخد مورد

ولله ذاك اليوم عيدا ومعلما

بتاريخه أرخت مولد أسعد

عليه صلاة نشرها طيب كما

يحب ويرضي ربنا محمد

وأنشد للإمام أبي عبد الله محمد بن جابر الوادي آشى قوله لما رآها بالأشرفية وقبلها:

دار الحديث الأشرفية لي الشفا

فبها

9

رأت عيناي نعل المصطفى

ولثمتها حتى قنعت وقلت يا

نفسي أنعمي أكفاك قالت لي كفى

لله أوقات وصلت بها المنى

من بعد طيبة ما أجل وأشرفا

لك يا دمشق على البلاد فضيلة

أيامك الأعياد لازمها الصفا

ولكم يجيرون جررت ولم أخف

ذيلا وبرح هواي فيها ما اختفى

وأنشد فيها أيضا أبياتا دالية للإمام أبي بكر بن محرز تركنا ذكرها لتحريف وقع بها لم نهتد لصحته.

ومن الحوادث المتعلقة بهذه النعل الشريفة ما وقع بدمشق من نائب الشام سيف كراي زمن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وذلك أنه قرر على أهل دمشق ما عجزوا عن أدائه فأغلقوا البلد؛ لأنه أدخل في هذه المظلمة أهل الأسواق وحواضر البلد وأملاكها وحاراتها وأمر بكتابتها ليوظف عليها فضج الناس وشكوا إلى القضاة والخطباء والأئمة فتواعد الجميع على الطلوع إلى النائب المذكور، فلما كان يوم الإثنين ثالث عشر جمادى الأولى (أو الأخرى) من عام أحد عشر وسبعمائة أخذ الخطيب جلال الدين القزويني صاحب تلخيص المفتاح والإيضاح المصحف الكريم العثماني ونعل النبي

صلى الله عليه وسلم

من دار الحديث الأشرفية وأعلام الجامع التي تكون بين يدي الخطباء وخرج من باب الفرج ومعه العلماء والفقهاء والقراء والمؤذنون والأئمة وعامة الناس، فلما وصلوا إلى النائب واستغاثوا أمر بضربهم وقال للجلال القزويني حين سلم عليه: لا سلم الله عليك، وضرب النقباء الناس ورموا المصحف العثماني والنعل الشريفة النبوية فعندها رجمهم الناس وأخذوا الجلال القزويني إلى القصر وخلص العوام المصحف والنعل الشريفة والأعلام ودخلوا البلد، فاتفق بعد عشرة أيام أن عوقب سيف الدين كراي المذكور وقيد وسجن بأمر الناصر محمد بن قلاوون وناله من الإهانة ما ناله جزاء تهاونه بالمصحف الشريف والنعل النبوية، وفرج الله عن أهل دمشق وفرحوا بالانتقام الإلهي منه.

الآثار النبوية · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار النبويةص ٣٦