تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمجده فلم يخسر أناس

أنابوا للمليك ومجدوه

ولنختم هذا الفصل بقوله:

تشابهت الأشياء طبعا وصورة

وربك لم يسمع له بشبيه

هذه أقوال من يتهمه المتخرصون بإنكار الإله، سقناها إليك لتكرر النظر فيها المرة بعد المرة، ثم نكلك إلى محاسبة نفسك، ومحاكمة فكرك؛ هل ترى فيها غير التوحيد والتنزيه، وإجلال اسمه تعالى، والطمع في رحمته، والخوف من عقابه، والحض على التقوى، والإنكار على الملحدين؟

ولا نخالك بعد ذلك إلا منصفه، إن كنت من المخلصين.

| فصل في معتقده في النبوات والرسل

يتهم الكثيرون أبا العلاء بجحد النبوات، وعدم الإيمان بالبعث والنشور؛ وكثيرا ما يتعمدون تحريف كلمه، أو صرف ظاهره إلى غير مراده، افتياتا عليه، وانتصارا لمدعاهم. فضلا عما وضعوه على لسانه من الكذب والبهتان، كما أثبته نقلة أخباره. وقد مر بك حديثه مع القاضي المنازي، وكيف اقتضبه الرواة ليثبتوا إلحاده وإنكاره للآخرة. ونقل ياقوت والسلوي عن القاضي أبي يوسف عبد السلام القزويني أنه قال: «قال لي المعري: لم أهج أحدا قط. فقلت: صدقت، إلا الأنبياء عليهم السلام! فتغير لونه. أو قال: وجهه. ا.ه.» ولا أدري ماذا يثبته هذا الحديث أو ينفيه.

وإليك ما ذكره العلامة ابن الوردي في تتمة المختصر، وهو من أدق الباحثين في أمره. قال: «قال لي يوما بعض أصحابي من الأمراء ذوي الفهم: كيف كان أبو العلاء في اعتقاد البعث؟ فأنشدته قوله:

فيا وطني إن فاتني منك سابق

من الدهر فلينعم لساكنك البال

وإن أستطع في الحشر آتك زائرا

وهيهات، لي يوم القيامة أشغال

وبلغني أن بعضهم زعم أن أبا العلاء كان ينكر النبوات، فهذا مردود بقول أبي العلاء:

عجبت وقد جزت الصراة رفلة

وما خضلت مما تسربلت أذيال

أعمت إلينا أم فعال ابن مريم

فعلت، وهل يعطى النبوة مكسال

وقوله في شريف:

يا ابن الذي بلسانه وبيانه

هدي الأنام ونزل التنزيل

عن فضله نطق الكتاب وبشرت

بقدومه التوراة والإنجيل

وقال في الشريف أبي إبراهيم العلوي الموسوي:

يا ابن مستعرض الصفوف ببدر

ومبيد الجموع من غطفان

أحد الخمسة الذين هم الأغ

راض من كل منطق والمعاني

والشخوص التي خلقن ضياء

قبل خلق المريخ والميزان

قبل أن تخلق السموات أو تؤ

مر أفلاكهن بالدوران

وافق اسم ابن أحمد اسم رس

ول الله لما توافق المعنيان

يا أبا إبراهيم قصر عنك الش

عر لما وصفت بالقرآن

أشرب العالمون حبك طبعا

فهو فرض في سائر الأديان

وقوله:

أيدفع معجزات الرسل قوم

وفيك وفي بديهتك اعتبار»

انتهى كلام ابن الوردي. وما ذكره من الشعر منقول من سقط الزند.

ولقائل أن يقول: ما لكم تنتصرون للرجل بكلامه في سقط الزند، وهو لم يقصد به بيانا لمذهبه، أو شرحا لمعتقده، بل جرى فيه مجرى الشعراء في أفانينهم الشعرية، وأخرجه مخرج هيامهم في كل واد من القول وضرب من الخيال؛ وهم كما تعلمون يجوزون الكذب، ويقولون ما لا يفعلون؛ فشأنه في ذلك شأنهم ودعواه دعواهم؛ فإذا مدح شريفا لم يكن له بد من تقديس آبائه، والإقرار لجدهم

صلى الله عليه وسلم

بالنبوة والرسالة، تعظيما لشأن الممدوح؛ كما لا مندوحة له في الرثاء عن وصف ما لقيه المرثي من التكريم في جنات النعيم، ليكون قوله مقبولا لدى من يخاطبهم، وأدعى للحظوة عندهم، وإن لم يكن هو معتقدا له. وما يقال في هذا يقال في غيره، وإلا للزمكم أنه كان على غير ما تدعون له من الزهد والتقوى، لما أثبته في هذا الديوان من الغزل والتشبيب وبكاء الشباب والفخر ، وهي والزهد على طرفي نقيض. فلو اقتصرتم على ما في لزوم ما لا يلزم ونحوه من الكتب التي وضعها لبيان فلسفته وآرائه، لسلمتم من مثل هذا النقد.

ونقول في رد ذلك: ربما كان لما ذكرت وجه من الصحة، إلا أنا لما رأيناكم آخذتم الرجل على بعض ما جاء في هذا الديوان، واستدرجتم به إلى الطعن في عقيدته، مع أنه لا يخرج عن الغلو المألوف للشعراء كما بيناه آنفا - استجزنا أيضا أن نحجكم بما جاء فيه من صريح ذكر الحشر، والإيمان بالرسل وإثبات المعجزات لهم عليهم السلام. وشتان ما بين حجتينا. على أن ما ادعيتموه لا يصح الحكم به على مطلق شعر يقوله الشاعر، وإلا فالويل للشعر والشعراء بعدئذ. •••

أبو العلاء المعري · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبو العلاء المعريص ٥١