تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم استوى على العرش ، مع أن هذا الإمام من كبار الأشعرية القائلين بالتأويل.

ولله در الإمام خميس بن علي الواسطي حيث يقول:

تركت مقالات الكلام جميعها

لمبتدع يدعو بهن إلى الردى

ولازمت أصحاب الحديث لأنهم

دعاة إلى سبل المكارم والهدى

وهل ترك الإنسان في الدين غاية

إذا قال قلدت النبي محمدا

على أن كثيرا من أئمة الكلام أيضا يرجحون مذهب الخلف في تأويلهم هذه الصفات تأويلا يليق بجلال المولى عز وجل، لما في هذا المذهب من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم. ولكل من أصحاب المذهبين وجهة لا يريدون بها إلا الوصول إلى الحق، فرضي الله عنهم أجمعين، وجزاهم عنا أحسن الجزاء. •••

الثاني من الأقوال، قوله:

أما الإله فأمر لست مدركه

فاحذر لجيلك فوق الأرض إسخاطا

وليس في هذا أيضا إنكار لوجود الله تعالى، وإنما فيه الإيماء إلى عجز البشر عن إدراك كنه ذاته تعالى. ولعمري ما نطق إلا بالصواب. وأين لمخلوق ضعيف لا يصل إلى إدراك كنه نفسه من الوصول إلى هذا المقام؟ وفي كتاب تأييد الحقيقة العلية للسيوطي، قال شارح منازل السائرين في بيان عجز العقول عن إدراك الذات المقدس، وترك الفكرة في ذلك: «يعرف العبد أن عقله يعجز عن إدراك كل الموجودات من المخلوقات فضلا عن خالقها، وقد عجزت العقول عن إدراك الخاصية التي يجذب بها المغناطيس الحديد، والسقمونيا الأخلاط الصفراوية، إلى غير ذلك، مع القطع بوجودها. فإذا عرف العبد عجزه، وأيس من الوقوف على غاية مطلبه، حمله ذلك على التمسك بحبل التعظيم والإجلال، وسلم بذلك من الوقوع في شيء من الاختلال». انتهى.

وفيما نقل عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول: «التوحيد أن لا تتوهمه»، ويقول: «كل ما أدركته فهو غيره». وكان الصديق رضي الله عنه يقول: «يا من غاية معرفته القصور عن معرفته». أما قوله تعالى:

لا تدركه الأبصار ، فالأكثرون على حمل البصر هنا على الجارحة، من حيث إنها محل القوة. وقيل هو إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام. فالبيت على هذا عقد لمعنى هذه الآية الكريمة. وقريب منه قوله من قطعة أخرى:

وإن إلهي إله السما

ء رب الوهود ورب النبك

سألت المحدث عن شأنه

فما زال يضعف حتى ارتبك •••

الثالث: قوله:

متى عرض الحجا لله ضاقت

مذاهبه عليه وإن عرضنه

ومعناه ظاهر بين، يشبه ما في القول السابق. وقد فسره بعضهم بقوله: «أي لا يزال عقل الإنسان يتسع مجاله في الأمور، ويستعمل أنواع القياس؛ حتى ينتهي إلى الله تعالى. فإذا انتهى إليه ضاقت المذاهب عليه، فلم يعلم أكثر من أنه سبحانه خالق المخلوقات». انتهى.

وقد أحسن أبو العلاء في قوله بعد هذا البيت:

وقد كذب الذي يغدو بعقل

لتصحيح الشروع وقد مرضنه

الشروع: جمع شرع. قال بعض الفضلاء: «مرض الشرائع أن تخفى أسبابها، فلا يوقف على حقائقها، فيظن الناظر فيها أنها فاسدة، وإنما الفاسد عقله، لأنه تعاطى سرا غامضا ليقف عليه». انتهى.

قلت: فليت المتبجحين كل يوم بإصلاح الدين الإسلامي ليوافق روح العصر كما يزعمون، ينظرون نظرة في هذا البيت، نسأل الله لنا ولهم الهداية. •••

وبعد، فليس في كلام أبي العلاء ما يوهم نقصا في حق الخالق سبحانه وتعالى، فضلا عن إنكار وجوده، غير هذه الأقوال الثلاثة. وقد عرفت أنها ليست في شيء من ذلك ألبتة. فلم يبق إلا أن نسرد لك عيون أقواله الدالة على حسن معتقده في خالقه. قال:

للمليك المذكرات عبيد

وكذاك المؤثنات إماء

فالهلال المنيف والبدر والفر

قد والصبح والثرى والماء

والثريا والشمس والنار والنث

رة والأرض والضحى والسماء

هذه كلها لربك ما عا

بك في قول ذلك الحكماء

خلني يا أخي أستغفر الله

فلم يبق في إلا الذماء

وقال:

إذا قيل لك اخش الل

ه مولاك فقل: آرا

آرا: كلمة فارسية، معناها: نعم. وقال:

بعلم إلهي يوجد الضعف شيمتي

أبو العلاء المعري · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبو العلاء المعريص ٤٧