تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما في سقط الزند دون هذين القولين بمراحل.

وقد رأيت أبا العلاء شدد النكير على ابن هانئ وأضرابه في رسالة الغفران، واستقبح منهم مثل هذا الغلو، فلعله رجع عنه.

وقد عقد الثعالبي فصلا في يتيمته لما أخذ على أبي الطيب، جاء فيه بأشياء ممجوجة. ومع هذا فلم يلهجوا بإكفاره كما فعلوا مع أبي العلاء؛ وذلك لما وقر في النفوس من شهرته بالزندقة، كما ذكرت آنفا، حتى كادوا يلصقون به كل شعر من هذا القبيل. وقد رأيت بعضهم يروي له قول المتنبي:

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

هذا وديوان أبي الطيب مشهور متداول في الأيدي، فما ظنك بغير المشهور؟ وكذلك أبو نواس لما كان مشهورا بالإجادة في وصف الخمر، نسبوا إليه فيها ما لم يقله، فكثر المنحول في شعره. ونقل عن بعض العلماء أنه كان يقول: أوشك هؤلاء الرواة أن ينسبوا للمجنون كل شعر فيه ليلى. وقوله هذا ينبغي للأديب أن يتنبه له، فلا يقدم على نسبة قول لقائل بسبب اسم اشتهر به، ولهج بذكره، في شعره؛ فقد كان للشعراء أسماء شائعة بينهم خفت على ألسنتهم، وحلت في أفواههم، فكانوا كثيرا ما يأتون بها زورا، نحو: ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، وأروى، وريا، وفاطمة، ومية، وعلوة، وعائشة، والرباب، وجمل، وزينب، وأشباههن. ذكر ذلك ابن رشيق، ثم قال: وأما عزة وبثينة فقد حماهما كثير وجميل، حتى كأنما حرمتا على الشعراء. انتهى.

وكما اشتهر بعض الشعراء بأسماء، اشتهر غيرهم بفنون وأنواع غلبت عليهم، وسهلت على نفوسهم، فأجادوا القول فيها؛ كأبي نواس في الخمر، والبحتري في الطيف، وابن المعتز في التشبيهات، وديك الجن في المراثي، وأبي الطيب في الأمثال والحكم، وابن الرومي في الهجاء. بل رأيت بعض شعراء غلبت عليهم ألفاظ استعملوها كثيرا، كأم دفر عند المعري، وابن ودي عند الأمير محمود سامي باشا البارودي. ومن تتبع شعر كل شاعر، ربما لا يعدم أمثالها فيه.

فيكون اقتصارنا على ما أثبته أبو العلاء في مؤلفاته، أدعى إلى الإنصاف، وأبعد عن الاعتساف. •••

واعلم - أرشدك الله - أني لم أنتصر له في بعض المواضع جنوحا إلى عصبية، أو استرسالا مع هوى. ولكني وقفت في الكثير من أقواله على اعتقاد صحيح، وإيمان ثابت لا يخالطه شك. فكان تأويل ما عداها بما يحتمله اللفظ، أولى من التسرع إلى إكفار مؤمن، والحكم عليه بالزندقة، خصوصا وأن ما يدل على إيمانه صريح في لفظه، والذي يوهم محتمل لوجهين، فحمله على ما يوافق الصريح من أحد وجهيه أحق وأصوب. فإذا رأيت شيئا من ذلك فلا تتسرع في الإنكار علي، بل عليك بتحسين الظن، ومراجعة النظر، تجد ما قلته غير بعيد. وحسبك ما أثاروه على الإمام أبي حامد الغزالي في قوله: ليس في الإمكان أبدع مما كان، حتى وضعوا فيه المؤلفات، وشغلوا الناس بالترهات. ولا شك أنه لم يرد بقوله هذا ما ذهبوا إليه وتأولوه. وأي مسلم يخالجه ريب في عقيدة هذا الإمام، وهو حجة الإسلام؟

ولله در أبي العلاء حيث يقول:

جوارك هذا العالم اليوم نكبة

عليك وليس البين عنه ميسرا

سيعلم ذاك المدعي صحة الهدى

متى كان حق أينا كان أخسرا

ويقول:

لحي الله قوما إذا جئتهم

بصدق الأحاديث قالوا كفر

ويقول:

أما في الأرض من رجل لبيب

فيفرق بين إيمان وكفر

وقال أيضا:

لا تقيد لفظي علي فإني

مثل غيري تكلمي بالمجاز

ومثله قوله:

وليس على الحقائق كل قولي

ولكن فيه أصناف المجاز

| فصل في معتقده في الله

من زعم أن أبا العلاء كان من منكري وجود الإله جل وعلا، فقد زعم باطلا، وأسرف في الشطط، ودل على جهله بحقيقة معتقده. وهيهات أن تنهض له حجة، أو يجد لزعمه مستندا، لو طالبناه بالدليل.

ونحن مثبتون في هذا الفصل من أقواله ما ليس وراءه متسع لطاعن، أو مجال لمتقول، وبادئون منها بثلاثة أقوال، ربما خفي المراد منها على كثيرين، فأولوها على غير ما ينبغي أن تؤول، ثم نتبعها بما يكشف الرين عن عقيدة الرجل في خالقه. •••

أبو العلاء المعري · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبو العلاء المعريص ٤٥