وإنما أتي الرجل من جهة حسدته وشانئيه، وولوع جماعة منهم بتقويله ما لم يقل، وإشهاره بما كانوا ينظمونه على لسانه من أقوال المعطلة والزنادقة؛ حتى صارت الأذهان لكثرة ما وقر فيها من ذلك، إذا ألقي إليها شيء من شعره فيه إيهام، انصرفت إلى إساءة الظن به. وسيرد عليك من أقوال ما وافق أقوال مشهوري المتصوفة، وكبار الزهاد، حذو القذة بالقذة. إلا أنها كتبت لهم، وكتبت عليه، ولله في خلقه شؤون. ولهذا اقتصرت في فصول معتقده على ما أثبته في مؤلفاته دون ما روي عنه غير معزو لشيء منها، وغالبه سخافات يتنزه شعر أبي العلاء عنها، ولا يخفى وضعها على ذي لب، كما قال الصفدي. كنسبتهم إليه قول القائل:
إذا ما ذكرنا آدما وفعاله
وتزويجه بنتيه لابنيه في الخنا
علمنا بأن الخلق من نسل فاجر
وأن جميع الناس من عنصر الزنا
وهذا كلام لا يصدر إلا من معتوه فقد رشده، وحاشا لأبي العلاء أن يكونه. ولا يخلو قائله من أحد أمرين: إما أن يكون مقرا بالشرائع، عالما بأن زواج الأخ بأخته لم يكن محرما في شريعة سيدنا آدم
صلى الله عليه وسلم ، فيكون قوله هذا ضربا من الهذيان والهوس. وإما أن يكون منكرا لها، فيكون ذكره الزنا لا معنى له، فإن معرفة الحلال والحرام لا تتأتى إلا من الشرائع. فضلا عما في البيتين من بذاءة وقلة أدب تنبو عنهما نفس أبي العلاء. ولست منكرا أنه ذكر سيدنا آدم عليه السلام في لزوم ما لا يلزم بما كنت أحب له عدم ذكره، إلا أنه لا يبلغ في شناعته إلى هذا الحد؛ وغاية ما فيه لومه عليه السلام على أكله من الشجرة، وتسببه في أذى ذريته في الدنيا بخروجه من الجنة. وسيأتي الكلام على ذلك في فصل مستقل. وقد رد على هذين البيتين القاضي أبو محمد الحسن بن أبي عقامة اليمني بقوله:
لعمرك أما فيك فالقول صادق
وتكذب في الباقين من شط أو دنا
كذلك إقرار الفتى لازم له
وفي غيره لغو كذا جاء شرعنا
وليت القاضي تثبت من نسبة البيتين قبل تكلفه الرد بهذا الشعر الركيك. ونسبوا إليه أشياء أخرى من هذا القبيل أضربت عن ذكرها تفاديا عن الاشتغال بالعبث، إلا أن ألم ببعضها إلماما فيما يأتي من الفصول لمناسبة. كما أني لم أتعرض لما أخذ عليه في سقط الزند؛ لأنه لا يخرج عن كونه من الغلو الواقع لكثير من الشعراء، وقد كفانا مؤونة البحث فيه بقوله في خطبته:
وما وجد لي من غلو علق في الظاهر بآدمي، وكان مما يحتمله صفات الله عز سلطانه، فهو مصروف إليه، وما صلح لمخلوق سلف من قبل أو غبر أو لم يخلق بعد، فإنه ملحق به، وما كان محضا في المين لا جهة له، فأستقيل الله العثرة فيه.
وقد أورد شارحه في التنوير بعض أبيات من ذلك في شرح الخطبة. ومما لم يذكره قوله، وهو عندي أشنع ما في سقط الزند:
باهت بمهرة عدنانا فقلت لها
لولا الفصيصي كان المجد في مضر
فهذا ولا ريب من محض المين الذي لا جهة له، وقد استقال الله العثرة فيه، والله يغفر لمن يشاء. وما عداه ليس فيه شيء سوى الغلو المفرط. على أنه لم يأت به إلا في أبيات معدودة لا تتجاوز العشرة، ولكن القليل من هذا كثير. وعندي أن لا وجه لاغتفاره لقائله، وفي غيره من الكلام مندوحة عنه. ولعله سرى لأبي العلاء من أبي الطيب المتنبي؛ فقد كان ولوعا بهذا النوع. ومنه قوله:
لو كان ذو القرنين أعمل رأيه
لما أتى الظلمات صرن شموسا
أو كان صادف رأس عازر سيفه
في يوم معركة لأعيا عيسى
أو كان لج البحر مثل يمينه
ما انشق حتى جاز فيه موسى
سامح الله أبا الطيب، ما كان أغناه عن هذا الغلو الممقوت، مع قدرته على نظم ما هو أوقع في النفوس، وأخف على الأسماع؛ وأقبح منه قبول ممدوحه له، وإجازته عليه. ولا أدري ما كان عذر المعز في قبوله قول ابن هانئ:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهار
اللهم إلا أن يكون ما نقل عن القوم من دعوى الألوهية في الباطن صحيحا.