واعلم أن ما ذكرناه عن المعري في هذا الباب قلما يخلو منه شاعر قديم أو حديث، ولسنا بواصلين فيه إلى حد الجزم بأنه تعمد سرقته؛ إذ قد يعرض المعنى للشاعر فينظمه، ولا يمر بخاطره وقت نظمه أنه مسبوق به، وربما كان مما لم يقف عليه في شعر غيره. وباب التوارد واسع، كما وقع لطرفة بن العبد وامرئ القيس في قوله:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجمل
فأتى به طرفة في معلقته مغيرا لقافيته فقط، فقال: «وتجلد» بدل «وتجمل»، وثبت عند الرواة أنه لم يطلع عليه قبل ذلك. وقال علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح:
8 «كان محمد بن وكيع متأدبا ظريفا، ويقول الشعر، وعمل كتابا في سرقات المتنبي، وحاف عليه كثيرا. وسألني يوما أن أخرج معه، واستصحب مغنيا وأمره ألا يغني إلا بشعره، فغنى:
لو كان كل عليل
يزداد مثلك حسنا
لكان كل صحيح
يود لو كان مضنى
يا أكمل الناس حسنا
صل أكمل الناس حزنا
غنيت عني ومالي
وجه به عنك أغنى
فقلت: أتثقل عليك المؤاخذة؟ فقال: لا. فقلت: أبياتك مسروقة؛ الأول من قول بعضهم:
ولو كان المريض يزيد حسنا
كما تزداد أنت على السقام
لما عيد المريض إذا وعدت
شكايته من النعم الجسام
والثاني من قول رؤبة:
مسلم
9
لا أنساك ما حييت
لو أشرب السلوان ما سليت
ما لي غنى عنك ولو غنيت
10
فقال: والله ما سمعت بهذا. فقلت: إذا كان الأمر على هذا، فاعذر المتنبي على مثله، ولا تبادر إلى الحط عليه، ولا المؤاخذة له؛ والمعاني يستدعي بعضها بعضا». انتهى.
ولا بد لنا قبل ختم هذا الباب من ذكر نوع يعده كثيرون من السرقة وليس منها، كقول الطغرائي:
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل
بمثله غير هياب ولا وكل
وقول الحريري في مقامته الرابعة والأربعين من قصيدة بائية:
وذا شطاط كصدر الرمح معتقل
صادفته بمنى يشكو من الحدب
قال الصفدي: «ومثل هذا لا يعد سرقة؛ لأن المعنى ليس ببديع، ولا لفظه بفظيع،
11
ولا الطغرائي بعاجز عن الإتيان بمثله، بل جرى على لسانه، ونسي أن هذا لغيره، لعدم الاحتفال بأمره إذ هو ليس بأمر كبير. وهذا كثير الوقوع للناس، لا يكاد يسلم الفحول منه». انتهى كلامه.
وقال التنوخي في زهر الربيع: «ومما يعد سرقة وليس بها، اشتراك اللفظ المتعارف، كقول عنترة:
وخيل قد دلفت لها بخيل
عليها الأسد تهتصر اهتصارا
وقالت الخنساء:
وخيل قد دلفت لها بخيل
فدارت بين كبشيها رحاها»
انتهى.
قلت: وتحقيق المقام أن الكلام المأخوذ يشترط فيه ألا يكون ذا معنى كبير أو لفظ بالغ حدا ما من الرشاقة، فإذا أدمجه الشاعر في بيته جاء به غير مقصود لذاته، بل يجعله كالتوطئة لمعنى آخر مقصود له، يبني البيت عليه. ويظهر لك ذلك فيما استشهد به الصفدي والتنوخي، وهو كثير في شعر العرب والمحدثين، وقد وقفت منه على جملة صالحة، لو جمعت لجاءت رسالة لطيفة، كقول الراعي النميري:
فتى يشتري حسن الثناء بماله
إذا ما اشترى المخزاة بالمجد بيهس
وهو مثل قول الأبيرد:
فتى يشتري حسن الثناء بماله
إذا السنة الشهباء
12
أعوزها القطر
وتبعها أبو نواس، فقال:
فتى يشتري حسن الثناء بماله
ويعلم أن الدائرات تدور
وقول دريد بن الصمة:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
وهو مثل قول المتلمس:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
ولا أمر للمعصي إلا مضيع
وفي هذا القدر كفاية. والكلام في السرقات الشعرية وأنواعها، واستيعاب ما قيل فيها، لا يتسع له مثل هذا المختصر؛ فإذا من الله بتوفيقه، وكان في العمر مهلة، وضعنا فيها رسالة تستقل بجمع شتاتها، وتفصيل ما أجمل منها.
ومن غريب ما وقفت عليه من ملاحظاتهم، ما رواه علي بن العباس النوبختي، قال: قال لي البحتري: أتدري من أين أخذ الحسن
13
قوله:
ولم أدري من هم غير ما شهدت به
بشرقي ساباط الديار البسابس
فقلت: لا، فقال: من قول أبي خراش: