فسيان منه يقظة ومنام •••
وقال أبو عبادة البحتري:
أخجلتني بندى يديك فسودت
ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالوصل حتى إنني
متخوف ألا يكون لقاء
أخذهما أبو العلاء وضمن معناهما في صدر بيته، فقال وأجاد:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم
والعذاب يهجر للإفراط في الخصر
وهذا البيت من معجزاته، إلا أنه أورده في غزل القصيدة، وكان مديحها أولى به. •••
وقال البحتري:
نشوان يطرب للسؤال كأنما
غناه مالك طيئ أو معبد
أخذه أبو العلاء وزاد فيه زيادة لا تخفى على الأديب، فقال:
فما ناح قمري ولا هب عاصف
من الريح إلا خاله صوت سائل
فالبحتري جعل ممدوحه يطرب لصوت السائل، طرب المنتشي من المغني المجيد، وأبو العلاء جعله كلما سمع صوتا من تطريب حمام، أو إزعاج أرواح؛ خاله صوت سائل، لمزيد اعتنائه بالسؤال، وولعه بالنوال. •••
وقال أبو الطيب المتنبي في وصف فرس:
وأصرع أي الوحش قفيته به
وأنزل عنه مثله حين أركب
أخذه أبو العلاء فقال:
أصيل الجد سابقه تراه
على الأين المكرر مستريحا •••
وقال أبو الطيب:
يقولون تأثير الكواكب في الورى
فما باله تأثيره في الكواكب
أخذه أبو العلاء، فقال:
من قال إن النيران عوامل
فبضد ذلك في علاك يقول
يعملن فيما دونهن بزعمه
ولهن دونك مطلع وأفول
قال شارحه أبو يعقوب النحوي: وقول أبي العلاء أرفع؛ لأنه جعل الممدوح فوق النجوم. انتهى.
وأقول أنا: إن أبا العلاء إنما شرح المعنى ووضحه، فبين أن علة عدم تأثير الكواكب في ممدوحه علوه عنها، وهذا مستفاد من قول المتنبي:
فما باله تأثيره في الكواكب
لأن المؤثر في العادة أعلى وأقوى من المؤثر فيه، ففيه معنى بيتي المعري وزيادة. •••
وقال أبو الطيب:
نحن بنو الموتى فما بالنا
نعاف ما لا بد من شربه
أخذه أبو العلاء فقال:
ما رغبة الحي بأبنائه
عما جنى الموت على جده •••
وقال أبو الطيب:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه
فمن المطالب والقتيل القاتل
أخذه أبو العلاء فقال:
وآفة العاشق في طرفه
وآفة الصارم من حده
وكلا البيتين فيه زيادة عن الآخر لا تخفى. •••
وقال أبو الطيب:
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاح وثغرك باسم
أخذه أبو العلاء، فقال:
يتهللون طلاقة وكلومهم
ينهل منهن النجيع الأحمر
وبيته أبلغ في المدح؛ لأن غاية المتنبي أن وصف ممدوحه بتهلله عند هزيمة جيشه، احتقارا للأخطار. والمعري جعل ممدوحيه يتهللون وهم مصابون يقطر منهم الدم. •••
وقال أبو الطيب:
يموت راعي الضأن في جهله
ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره
وزاد في الأمن على سربه
أخذه أبو العلاء، فقال:
رددت إلى مليك الخلق أمري
فلم أسأل متى يقع الكسوف
فكم سلم الجهول من المنايا
وعوجل بالحمام الفيلسوف •••
وقال أبو الطيب:
في رتبة حجب الورى عن نيلها
وعلا فسموه علي الحاجبا
أخذه أبو العلاء فقال:
وقد سماه سيده عليا
وذلك من علو القدر فال
وفي بيت المتنبي زيادة ساعد عليها لقب ممدوحه. •••
وقال أبو الطيب أيضا:
أتى الزمان بنوه في شبيبته
فسرهم وأتيناه على الهرم
أخذه أبو العلاء فقال:
تمتع أبكار الزمان بأيده
1
وجئنا بوهن بعدما خرف الدهر •••
وقال أبو الطيب:
وقد يتقارب الوصفان جدا
وموصوفاهما متباعدان
أخذه أبو العلاء فقال:
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه
إن السماء نظير الماء في الزرق •••
وقال أبو الطيب:
وإذا خفيت عن الغبي فعاذر
أن لا تراني مقلة عمياء
أخذه أبو العلاء فقال:
وكم عين تؤمل أن تراني
وتفقد عند رؤيتي السوادا
يريد: إذا رأتني خفيت عليها، فكأنها عميت، وفقدت سوادها. •••
وقال عمارة بن عقيل:
وما النفس إلا نطفة
2
في قرارة
إذا لم تكدر كان صفوا غديرها
أخذه أبو العلاء فقال:
والخل كالماء يبدي لي ضمائره
مع الصفاء ويخفيها مع الكدر •••
وقال النابغة الذبياني في النعمان:
فإنك شمس والملوك كواكب
إذا طلعت لم يبد منهم كوكب
أخذه أبو العلاء، فقال في قصر نزلته عروس ممدوحه، فخرج من كان فيه من حاشيته: