أجيبي أم كلثوم أجيبي
ترامت دعوة الداعي المهيب
لمكة إذ يضام الدين فيها
أحق بكل أفاك مريب
خذي قصد السبيل إلى ديار
محببة المسالك والدروب
حمى الإسلام يمنع كل عاد
وغيل الحق يدفع كل ذيب
رعاك الله فانطلقي وسيري
ولا تهني على طول الدئوب
أردت الدين معمور النواحي
فخوضي البيد مقفرة وجوبي
تطيلين التلفت من حذار
وقلبك لا يقر من الوجيب
رويدك إن عين الله ترعى
خطاك فلن يسوءك أن تئوبي
أرى أخويك في أمر مريج
وهم من مصابهما مذيب
يلف حشاهما حزن عجيب
لروعة ذلك الحدث العجيب
لكل منهما في الحي عين
تدور كأنها عين الحريب
وقلب دائم الخفقان هاف
طويل الوجد متصل اللهيب
هنا كانت فأين مضت؟ وأنى
تعاود خدرها بعد المغيب؟
أما عند ابن عفان شفاء
فيكشف كربة العاني الكئيب؟
أتذهب أختنا لا نحن ندري
ولا هو عنده علم اللبيب؟
كفى يا بنت عقبة ما لقينا
من الأحداث بعدك والخطوب •••
قفي يا أم كلثوم فهذا
محط الرحل للنائي الغريب
حللت بفضل ربك خير دار
بطيبة فانعمي نفسا وطيبي
تلقاك النبي فأي بشر
رعت عيناك في الكرم الخصيب؟
يرحب ما يرحب ثم يضفي
عليك حنان ذي النسب القريب
وما نسب بأقرب من سبيل
يؤلف بين أشتات القلوب
سبيل الله ليس إذا ما
بلوت السبل أجمع من ضريب
هدى الساري يسدده فيمضي
بمخترق السباسب والسهوب
يمر بآخرين لهم عواء
يشيع بالتوجع والنحيب
يرى سبل النجاة وكيف ضلوا
فيعجب للمصارع والجنوب
ويحمد فالق الإصباح حمدا
يهز جوانح الوادي الطروب
تعالى الله ينزل كل بر
بعال من منازله رحيب •••
عمارة والوليد ولا خفاء
على فرط التجهم والشحوب
هما عرفا السبيل فلا مقام
وكيف مقام مختبل سليب؟
أهابا بالرسول أعد إلينا
وديعتنا فما بك من نكوب
هو العهد الذي أخذت قريش
وما لك غير نفسك من حسيب
سجيتك الوفاء وما علمنا
عليك الدهر من خلق معيب
برأيك فاقض وارددها علينا
فإنك أنت ذو الرأي المصيب •••
عناها أن ترد ولا ظهير
يقيها ما تخاف من الكروب
فصاحت إنني امرأة وما لي
على المكروه من عزم صليب
بربك يا محمد لا تدعني
فريسة كل جبار رهيب
يعذبني لأترك دين ربي
إلى دين المآثم والذنوب
أأرجع يا حمى الضعفاء ولهى
وما لي في ظلالك من نصيب؟ •••
أتى التنزيل يصدع كل شك
ويجلو ما استكن من الغيوب
ويحكم حكمه عدلا وبرا
فيلقي بالدواء إلى الطبيب
إذا جاء النساء مهاجرات
يردن الله ديان الشعوب
بقين مع النبي وإن تمادت
لجاجة كل عريض شغوب •••
ليهنك أم كلثوم مقام
كريم عند مرجو مثيب
وزوج ذو محافظة نجيب
يفيء إلى ذرى النسب النجيب
يفيء إلى ذرى الإسلام منه
فتى للسلم يرجى والحروب
وما زيد بن حارثة بنكس
إذا التقت الكماة ولا هيوب
أخو المختار من عليا قريش
ومولاه الحبيب أبو الحبيب
| أبو بصير وأصحابه (رضي الله عنهم)
جاء أبو بصير (رضي الله عنه) إلى النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكان من المحتبسين بمكة، فبعث أزهر بن عوف - أسلم بعد ذلك - يطلب رده من النبي في كتاب يحمله رجل من بني عامر اسمه خنيس، وجاء معه آخر يهديه الطريق، وقال النبي لأبي بصير: «انطلق إلى قومك فليس الغدر من ديننا، وسيجعل الله لك فرجا»، فرجع معهما، واحتال على أخذ السيف من أحدهما فقتله به، وحمل على الثاني ففر راجعا إلى المدينة وهو يعدو في أثره، وقال الرجل للنبي: قتل صاحبكم صاحبي، وأفلت منه ولم أكد، ثم استغاث به، وقال أبو بصير للنبي: لقد وفيت بذمتك، فقال له: «اذهب حيث شئت».
فذهب إلى محل من طريق الشام تمر به تجارة قريش، وطار الخبر، فقدم إليه أبو جندل في سبعين فارسا، ولحق به آخرون من المسلمين، فكانوا ثلاث مئة مقاتل، ما رأوا عيرا لقريش إلا أخذوها، ولا رجلا إلا قتلوه، فبعثوا يسألون النبي بالأرحام إلا آوى هذه القوة إليه، وقال بعضهم: إنا أسقطنا شرط رد اللاجئين من العهد، فمن جاءك منهم فأمسكه ولا حرج عليك، فكتب إلى أبي بصير وأبي جندل يستقدمهما إليه، ويأمر أن يذهب من معهما إلى بلادهم وأهليهم غير متعرضين بأذى لقريش، فأخذ أبو بصير الكتاب وهو يحتضر، فمات وهو في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل وعاد مع ناس من أصحابه إلى النبي