تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن جبير: وموضع هذه المدينة في وهدة

1

من الأرض عريضة مستطيلة كأنها خندق عميق، يرتفع لها جانبان إحداهما كالجبل المطل،

2

والمدينة متصلة بسفح ذلك الجبل. والقلعة في الجانب الآخر في ربوة منقطعة مستديرة قد تولى نحتها الزمان وحصل لها بحصانتها من كل عدو الأمان. والمدينة السفلى

3

تحت القلعة متصلة بالجانب الذي يصب النهر عليه. وكلتا المدينتين صغيرتان، وسور المدينة العليا يمتد على رأس جانبها العالي الجبلي ويطيف بها. وللمدينة السفلى سور يحدق بها من ثلاثة جوانبها لأن جانبها المتصل بالنهر لا يحتاج إلى سور. وعلى النهر جسر كبير

4

معقود بصم الحجارة يتصل من المدينة السفلى إلى ربضها.»

5

انتهى كلام ابن جبير.

وكان بنيان محلة المدينة أوسع وأعظم وأسواقها حافلة أكثر من أسواق محلة باب الجسر، وكانت جامعة للصنائع الضرورية، وكان بين القسمين طريق مما وراء القلعة من البستان التي تسمى الآن بستان الخضر. ثم امتد العمران لجهة الحاضر فحدثت محلات عديدة، كما امتد البنيان في زمن نور الدين الشهيد حتى المحل المسمى باب حمص جانب رحى المسرودة. أما مكان السوق فقد كان مرتفعا من جهة الشمال ومنخفضا في جهة القبلة. وكان فيه مقابر، وكان الماء إذا طغى جاء فعمل كالبحر في القسم المنخفض منه، فلما ضاقت البلد بالسكان مشى الناس بالبنيان إلى موضع السوق فبنوا البيوت وبعض الحوانيت، فلما ولي الملك المنصور حماة بنى هذا السوق وكان يعرف بسوق المنصورية.

حدودها

يحدها من الشرق سلمية فتدمر، وبين حماة وسلمية نصف نهار معتدل على الماشي أو زيادة يسيرة. ومن الشمال المعرة تبعد عن حماة يوما. ومن الغرب مصياف فجبل الكلبية، وبين مصياف وحماة ثماني ساعات. ومن القبلة الرستن فحمص، وبين حماة وحمص يوم على الماشي أو أقل بيسير.

وفي شمال حماة بنحو ثلاث أميال جبل يسمى جبل زين العابدين وفوقه جامع باق للآن،

6

وكان حول هذا الجامع قرية تهدمت الآن واستعيض عنها بقرية تحت الجبل تسمى الهاشمية، وفي جانب هذا الجبل جبل صغير يسمى كفر راع، وفي شرقيها جبل كبير غير بعيد يسمى كيسون، وفي قبليها بنحو ثلاثة أميال أيضا جبل كبير يسمى الأربعين.

وهي الآن مركز للمتصرفية، ولها ثلاث أفضية أعظمها حمص ثم سلمية ثم مصياف، وتسمى الآن العمرانية، ولها نواح أيضا.

أما القرى التابعة لمركز اللواء فهي مائة قرية وقرية، منها الكبيرة ومنها الصغيرة. أما التابعة لمصياف وسلمية وحمص فكثيرة جدا ويمكن أن تزيد بمقدارها لاتساع أراضي هذا اللواء.

وقد كان من أهم القرى التابعة لحماة في الزمن السالف - وكانت تسمى مقاطعة - لطمين وصوران وأندرين. أما بعرين فكانت مدينة كبيرة. أما القرى القريبة من البلد جدا على كتف العاصي فهي سريحين فالدجاجية فكازو فالظاهرية. وفي بر حماة عشائر عديدة من البدو الذين هم في الأصل من عرب كندة، والآن قد ذهب الاسم الأول وبدل بغيره، وصاروا فصائل متعددة يشنون الغارة على بعضهم فيربحون من أموالهم ما ينهبونه وتلك عادة جارية عندهم.

العاصي

هو من الأنهر القديمة، يخرج من جهة اللبوة من جبال الشام التي تسمى لبنان القديمة فيصب في جهة الهرمل عند طرف جبل لبنان، يتدفق بقوة عظيمة فيصل إلى جهة حمص، وهناك له سد عظيم تتكون منه بحرة متسعة جدا، ينصب قسم من ماء هذا السد إلى حمص، والقسم الأعظم يسير مارا في واد طويل إلى الرستن فحماة فشيزر ففامية، ثم ينتهي إلى العمق ويجتاز قصبتي جسر الشغور وأنطاكية إلى فرضة السويدية فيصب في البحر الرومي، ويسمى هذا النهر قديما «أورنط» و«أورنطس» و«أورند». قال البحتري:

وكم نفست في حمص من متأسف

غدا الموت منها آخذا بالمخنق

وكم قطعت نهر الأورند إليهمو

كتائب تزجى فيلقا بعد فيلق

ويسمى نهر الميماس أيضا. قال أبو العلاء المعري:

تاريخ حماة · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ حماةص ١٩