وفي سنة 691 سار السلطان قلاوون من مصر قاصدا فتح قلعة الروم فوصل إلى الشام ومنها سار إلى حماة فخرج ملكها لاستقباله هو وعمه فاجتمعا به ثم سبقاه وهيئا له ما يليق به من الضيافة، ولما وصل إلى حماة ضرب سرادقه في جهة الشمال منها عند قناة سلمية،
14
فأخرج له المنصور من الطعام الفاخر ما يكفيه وعساكره المصرية والشامية وجعل الطعام في أرض الميدان،
15
ونصب له ما يليق به من الخيام ومد له القماش الفاخر تحت أرجل فرسه. ثم بعد ذلك سار السلطان قلاوون إلى دار المظفر محمود المسماة دار السعادة
16
ففرش له أيضا الطريق بالقماش الفاخر، فجلس السلطان في الدار ثم خرج منها إلى حمام السلطان - وسيأتي ذكرها - وبعد خروجه منها جلس على جانب العاصي برهة، ثم سار لدار الضيافة المسماة بالطيارة الحمراء على سور باب النقفي،
17
وبعد ذلك رحل عن حماة إلى برها الشرقي للصيد، ثم سار بجيوشه إلى قلعة الروم ومعه ملك حماة وعساكرها، وحينما نصب الحمويون المنجنيق وقصدوا الرمي على العدو طلب أهل القلعة الأمان فأمنوهم ودخلها قلاوون ثم رحل عنها إلى دمشق فمصر.
وبعد برهة سار ملك حماة وعمه إلى مصر بطلب قلاوون، ثم ساروا جميعا إلى دمشق، ثم إلى المكان المسمى الفرقلص، وهناك قبضوا على أمير العرب مهنا بن عيسى وأخويه محمد وفضل وولده موسى، وأرسلهم السلطان إلى مصر فسجنوا فيها لتمردهم على السلطان، ثم عاد ملك حماة وعمه إلى بلدهما وذلك في سنة 692.
وفي سنة 698 توفي ملك حماة السلطان الملك المنصور ناصر الدين محمد بن السلطان الملك المظفر محمود بن المنصور محمد بن المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فأرسل ملك مصر بدلا عنه الأمير «قراسنقر الجوكدار» فقدم إلى حماة، ونزل في دار المظفر وسلب أموال ذريته وأهانهم فلم يسعهم غير الصبر.
وفي سنة 699 سار قازان أرغون ملك التتر بجموعه وعبر الفرات، فوصل إلى حلب ثم إلى حماة، ونزل في مجمع المروج
18
بقصد المسير إلى الشام ليملكها فتبعته عساكر حماة، وقصدته عساكر مصر والشام وحمص فكان الاجتماع وقت العصر في مجمع المروج، واشتعلت نيران الحرب المحرقة فكان النصر لملك التتر، ففر المسلمون منهزمين وتبعهم التتر يقتلون وينهبون ويأسرون حتى استولوا على دمشق، وتبعوا العساكر المصرية إلى غزة والقدس فغنموا غنائم كثيرة. غير أن العساكر المصرية كرت راجعة وبعد حرب هائلة استرجعت دمشق من التتر.
وفي أثناء هذه الحرب كان وكيل حاكم حماة في مدة غيابه رجلا اسمه عثمان السبيتاري سام الناس خسفا وظلما وجار في حكمه جدا واستباح الأعراض والأموال وسفك الدماء فقتل كثيرين، وكان له رفيق يشاركه في الحكم فقتله أيضا وانفرد بالحكم وحده ولقب نفسه الملك الرحيم، وبقي على هذا المنوال حتى استولى المسلمون على دمشق وفر التتر فحينئذ قبل عودة حاكمها أرسل إليها صارم الدين أزبك المنصوري الحموي ليكون حاكما إلى أن يحضر كتبغا، فلما وصل إلى حماة عصي عثمان السبيتاري في القلعة مدة ثم قبض عليه صارم الدين ووضعه في السجن. وفي أثناء ذلك كان حاكم حلب متوجها إليها فمر في طريقه على حماة ونزل على تل صفرون، وأرسل إلى عامل حماة أن يسلمه عثمان السبيتاري، فأرسله إليه وأخذه مكرما إلى حلب بعد ما أخذ منه رشوة - ولم يسمع عليه شكاية الحمويين وأن القاضي حكم بقتله - فبقي عنده حتى استخلص الملك لأبي الفداء فأرسل من قبض عليه وجاء به إلى حماة فقتله في محلة المدينة في سوق الخيل.
ثم إن قراسنقر عين إلى حلب، وعين إلى حماة مكانه الأمير «كتبغا زين المنصوري» فدخل حماة ونزل في دار السعادة وهي دار المظفر.
وفي سنة 700 عادت التتر إلى البلاد السورية محاربة قاصدة استرجاع دمشق فعبر ملكهم بعساكره الفرات، وقد جفل المسلمون منهم فكانوا يهربون أمامهم تاركين منازلهم خالية حتى إن حلب خلت من أهلها، ورحل قراسنقر صاحب حلب بعسكره إلى حماة واستقبله صاحبها أيضا بعسكره، وجاءت عساكر دمشق إلى حماة فخيم الجميع في ظاهر البلد، وانهالت التتر على بلاد سرمين والمعرة والعمق وغيرها تقتل وتنهب، وظلوا يعيثون في الأرض فسادا ثلاثة أشهر، ثم رجعوا من تلقاء أنفسهم بلا حرب وتراجع المسلمون إلى منازلهم.