تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 635 توفي الأشرف ملك دمشق فملك بعده أخوه الصالح، وكتب لملك بلاد الروم وحلب وحمص أن يكونوا معه لمحاربة أخيه الكامل ملك مصر وبلاد سوريا، فأجابوه إلى ذلك وامتنع ملك حماة، وقد وصل الخبر إلى الكامل فجد المسير بعساكره حتى حاصر دمشق، وكانت الجنود قد قدمت من حمص نجدة لملك دمشق فقبض الكامل عليهم وشنقهم بين البساتين، وأرسل توقيعا لملك حماة بانتزاع سلمية من ملك حمص، فأرسل المظفر إليها نوابه فتملكوها. ثم إن ملك دمشق أذعن لملك مصر وسلمه دمشق فعوضه عنها بعلبك. وجهز الكامل ملك مصر عساكره للانتقام من شيركوه صاحب حمص، وكتب إلى صاحب حماة أن يسير بعساكره لينضم إلى عسكر الكامل، فبرز من حماة وخيم على الرستن، فخاف شيركوه جدا، غير أن الكامل لحقه المرض فتوفي في دمشق وللحال رحلت عساكره عن حمص، وعاد المظفر إلى حماة بعدما حاصر حمص.

وفرح شيركوه بذلك فرحا عظيما، وأرسل عساكره إلى سلمية فطردوا نواب ملك حماة منها، وقطعوا ماء القناة التي كانت تجري من سلمية إلى بساتين حماة، فيبست البساتين ولحق الحمويين بذلك ضرر فاحش، ولم يكتف ملك حمص بذلك بل أرسل فعلة من حمص إلى البحيرة فبنى تجاه الماء سدا عظيما حول به ماء العاصي عن حماة إلى الأودية؛ فوقفت النواعير وكاد الماء أن ينفد منها لكن الماء هدم السد وتحامل بكليته وعاد إلى مجراه الأصلي، كل ذلك كان انتقاما من ملك حماة لمعاونته الملك الكامل.

كذلك اغتاظ توران شاه بن صلاح الدين ملك حلب من المظفر ملك حماة لموافقته للملك الكامل، فأرسل من حلب جيشا عظيما لينتقم به من الحمويين وملكهم، فوصل الجيش للمعرة وافتتحها وخرب قلعتها العظيمة التي كان قد بناها المظفر وأودعها الذخائر وولى عليها نائبا من قبله. ثم سار توران شاه بجنوده إلى حماة فحاصرها، ونهبت عساكره ما قدرت من أطراف المدينة، وطال الحصار حتى ضاق الخناق وأتلفت أموال كثيرة لا تحصى.

ثم رحل توران شاه بعساكره إلى حلب، ولم يبق من توابع حماة سوى بعرين، فإن سلمية انتزعها ملك حمص، والمعرة انتزعها ملك حلب، فخشي ملك حماة أن تذهب بعرين أيضا، فأمر بهدم قلعتها للأرض فهدمت، ثم سار ملك حماة إلى دمشق بعسكره نجدة للملك الصالح للاستيلاء على دمشق وبعد ذلك عاد إلى حماة وفي عوده حاصر حمص ثم رحل عنها.

ولما ملك الصالح دمشق سار منها إلى مصر وأبقى ابنه المغيث نائبا عنه في دمشق، فاغتنم عمه الصالح إسماعيل صاحب بعلبك الفرصة ومعه شيركوه ملك حمص، فسارا بجموعهما إلى دمشق لأخذها للصالح من يد نائبها ابن أخيه - المذكور - وذلك سنة 637، وبعد حصار طويل استلمها الصالح إسماعيل من ابن أخيه قهرا. وكان ملك حماة قصد أن يحفظ دمشق لصاحبها، فأرسل نجدة مع أحد الأمراء المسمى سيف الدين علي من عسكر وسلاح ومال كثير، وأظهر المظفر وعلي - المذكور - أنهما قد اختصما، وأن عليا قد غضب وأراد فراق حماة فتبعه بعض الجند ومعهم الذخائر يموهون أن صاحب حماة يريد تسليمها للفرنج؛ وذلك خوفا من شيركوه ملك حمص كي لا يمنع عليا عن المسير في الطريق، فلم تخف هذه الحيلة عليه فكمن لهم عند بحيرة حمص، فلما قدم علي بمن معه تلقاه شيركوه ورحب بهم وأظهر أنه مصدقه ودعاه للضيافة في حمص، فعاد معه هو وبعض الجند والآخرون شعروا بالحيلة فهربوا وسلموا، فلما وصلوا إلى حمص قبض عليهم شيركوه وسلب ذخائرهم وأموالهم وسلط عليهم من يعذبهم، وهم يستجلبون له الأموال من حماة ليشتروا بها أنفسهم من العذاب حتى أفقرهم. ومات رئيسهم علي وكثيرون معه في السجن وبقي الباقون في السجن حتى مات شيركوه، وكان ذلك سببا عظيما لضعف قوة المظفر ملك حماة ضعفا عظيما. ثم توفي شيركوه بعد برهة وخرج السجناء وملك حمص بعده ابنه إبراهيم.

تاريخ حماة · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ حماةص ١١